التصنيف الأمريكي: إقرار بالهزيمة الميدانية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تصنيف واشنطن لأنصار الله ضمن قائمة ما يُسمى بالإرهاب يأتي في إطار الحرب الناعمة على اليمن، ولا يعدو كونه خطوة إعلامية فحسب. من الناحية العسكرية، يأتي هذا التصنيف بعد أكثر من عام من انخراط سلاح الجو الأمريكي في حرب علنية مع اليمن، في إطار تحالف لحماية السفن الصهيونية، وهو تدخل أثبت فشله الذريع بشهادة الجهات الأمريكية نفسها قبل غيرها.
لو كانت لدى أمريكا خيارات ميدانية أخرى، لكانت قدمتها دون تأخير، فهي لا تتردد في استخدام كل ما تملك لحماية اليهود. ومع ذلك، تعاني من عجز بكل أشكاله، لكنها لا تعترف بذلك علنًا، وتلجأ إلى بدائل أخرى، وهي في حد ذاتها إقرارٌ بالهزيمة العسكرية وسقوط هيبة الجيش الأمريكي التي كانت تثير الرعب في العالم حتى وقت قريب.
إذا افترضنا أن واشنطن بدأت بتصنيف أنصار الله ثم اتبعت ذلك بالقصف، لكان ذلك منطقيًا في نظر شعبها. لكنها بدأت بالخيار الأصعب وفشلت فيه فشلًا ذريعًا، ثم جاءت بتصنيفٍ ساذج، وتأمل أن يحقق لها من الهيبة ما لم تحققه حاملات الطائرات والبوارج. هذه المفارقة تكشف عن الوهن الأمريكي، حيث باتت مجرد قوة إعلامية تهدف إلى إرعاب الصغار.
لكن هذا لا يعني أن الحرب -بالنسبة لنا- قد انتهت. نحن أمام عدوانٍ من نوعٍ آخر، ميدانه التشويه الإعلامي الممنهج، وأدواته تشمل كل وسائل الإعلام العربية، بما فيها شبكة الجزيرة وغيرها من أسلحة الصهيونية الناعمة. وهذه الأدوات لا تظهر نتائجها على المدى القريب، بل تتطلب مراحل طويلة ومتباعدة. لذا، لجأت واشنطن إلى الخيار الأبعد خوفًا من المواجهة المباشرة، آملاً في تحقيق نتائج أفضل على المدى الطويل.
هذا النوع من الحروب له قيمته في الواقع، وقد أثر على الكثير من الحلفاء. على سبيل المثال، جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي سقطت بعد عام واحد فقط من وصولها إلى السلطة بسبب الحرب الإعلامية التي سلطت الضوء على تناقضاتها وفشلها في إدارة الدولة، إضافةً إلى تنكرها للقضية الفلسطينية التي كانت سببًا في وصولها للسلطة.
تكرر الوضع مع حزب الإصلاح في اليمن، حيث استطاع إعلام عفاش، من خلال قناة اليمن اليوم، أن يكشف الكثير من فساد الحزب وتناقضاته، مما جعل قيادته أضحوكة للشعب اليمني وكسر معنوياتهم. وقد كان لذلك الأثر الكبير قبل أن يسقطوا بالضربة القاضية في ثورة 21 سبتمبر الشعبية بعد عام من سقوط نظرائهم في مصر.
لكن الوضع مع أنصار الله يختلف كليًا عن جماعة الإخوان ونظيراتها. لو كان التشويه الإعلامي يؤثر سلبًا على المجاهدين، لما كان لهم صدى مسموع منذ اليوم الأول. المنهج القرآني يؤهل أتباعه لمواجهة كل أشكال الحروب، بما فيها الحرب الإعلامية. يكفي أن نقارن بين كمية الشائعات ونوعيتها عام 2004، وما هي عليه اليوم، وكيف أصبح أنصار الله رقماً صعبًا في كل البلاد الإسلامية.
إضافةً إلى ذلك، فإن صدق المواقف يسقط كل المؤامرات الصغيرة. السيد رجل القول والفعل، وهذه لها قيمتها في عالم الرجال. الصرخة لم تكن مجرد شعار على الورق، بل هي منهج عملي ترجمته المواقف الأخيرة وما قبلها، والقادم أعظم بإذن الله.
باختصار، فإن الحرب الناعمة لن تؤتي أكلها على الإطلاق. ستأتي المواقف الكبيرة التي تنهي مراحل طويلة من التضليل. يكفي أن موقف أنصار الله في طوفان الأقصى أسقط كل الدعاية التي شنها العدوان على المجاهدين على مدى عشرين عامًا. وهذا الحال سيتكرر في المواقف القادمة، مما يثبت فشل الأمريكي في الرهان على الأبواق المضللة. وما كل ذلك الفشل الإعلامي الذريع إلا بفضل آية واحدة من كتاب الله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (آل عمران: 111).
* المقال يعبر عن رأي الكاتب