السياسية || محمد محسن الجوهري*

الحديث عن إنجازات صلاح الدين الأيوبي طويل جداً في التعليم الرسمي لأغلب الدول العربية، خاصةً تحريره لمدينة القدس من يد الصليبيين، وطردهم منها إلى الأبد، وكسره شوكة الاحتلال الفرنجي للبلاد العربية لقرون، وتوحيده للأمة الإسلامية في دولة قوية ومتسامحة، وهذه إنجازات لم تتحقق لقائدٍ آخر منذ العهد النبوي إلى اليوم.

وبمراجعة بسيطة للتاريخ ستتفاجأ بمجموعة من التناقضات في تاريخ صلاح الدين، أولها أنه توفي سنة 1193م، والقدس لم تتحرر من الصليبيين إلا عام 1244م، أي بعد خمسين عاماً من وفاته، كما أن التاريخ تحدث طويلاً عن التعاون السياسي والعسكري بين الأيوبيين والصليبيين، وبينهم عهود موثقة لتقاسم بلاد الشام، تنازلوا فيها عن القدس للصليبيين مقابل أن يحكموا مناطق أخرى بعيدة عنها كدمشق ومصر.

يذكر شمس الدين الذهبي في كتاب "تاريخ الإسلام"، وكتاب "العبر في خبر من غبر" أن الملك الكامل ناصر الدين محمد (1180م-1238م) ، خامس سلاطين الدولة الأيوبية وابن شقيق صلاح الدين الأيوبي، قد وقع مع الإمبراطور الروماني "فريدريك الثاني" (1194م –م1250) اتفاقية "يافا" في 18 فبراير 1229م، تنازل بموجبها الحاكم الأيوبي رسمياً عن بيت المقدس وبيت لحم والناصرة وصيدا للصليبيين، مقابل أن تسلم له مصر وبعض مناطق الشام وما جاورها مثل حران، والرها، وسروج، والرقة، وآمد، وهي المعلومات التي أكدها الكاتب الأمريكي ويل ديورانت في "قصة الحضارة".
ولكن كيف تحررت القدس من الصليبيين وعلى يد من؟

ذكر تقي الدين المقريزي في كتابه الشهير "السلوك لمعرفة دول الملوك" الذي يؤرخ لفترة حكم الدولة الأيوبية والدولة المملوكية لمصر والشام، بأن السلطان السابع للأيوبيين "الصالح أيوب" كان والياً على مصر ودخل في صراع مع أبناء عمومته من الأيوبيين في الشام، الذين كانوا في تحالف كبير مع الصليبيين، وعزموا على احتلال مصر فيما يُعرف بالحملة الصليبية السابعة، بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا.

وبسبب هذا التحالف، ومن أجل حماية ملكه في مصر، راسل الصالح أيوب "الخوارزميين" الفرس، وحكام غرب إيران في حينها، وطلب منهم النصرة ضد الصليبيين وأعوانهم من أبناء عمومته، فاستجابوا على الفور، ونجحوا في تحرير دمشق أولاً من "الصالح إسماعيل الأيوبي" عامل الصليبيين في دمشق، قبل أن يتجهوا إلى القدس وتحريرها في زمنٍ قياسي بعد انسحاب الصليبيين إلى غزة، وهناك كانت المعركة الأخيرة للصليبيين في الوطن العربي بتاريخ 17 أكتوبر 1244، وعُرفت باسم معركة "هربيا" أو معركة "لافوربي" في المراجع الأوروبية، ولم يفلت من الصليبيين أحد وانهزموا هزيمة منكرة خلال ساعات.

ووصلت بشارة النصر إلى الملك الصالح أيوب فأمر بتزيين القاهرة احتفالاً بالنصر، وسيق الأسرى إلى القاهرة وكانوا بالمئات، وكان من بينهم كونت يافا، وطيف بهم في الشوارع وهم محملون على الجمال. واستخدم الصالح أيوب الأسرى الصليبيين في إكمال تشييد جزيرة الروضة، وانتهت بذلك قصة احتلال مدينة القدس من قبل قوى خارجية، وظلت المدينة في أيدي المسلمين يتعاقبون على حكمها حتى جاء الاحتلال الإسرائيلي.

ولهذه الأسباب يتم تقديس صلاح الدين والأيوبيين لأنهم أسهموا في تقديم القدس للصليبيين، فيما تم تغييب الخوارزميين الفرس من المشهد لأن دورهم كان محورياً في تحرير القدس وبلاد الشام، ولأن التاريخ يعيد نفسه، وما نشهده اليوم من تحالف عربي – فارسي يمهد لفتحٍ جديد للقدس، فتاريخ الفرس الإسلامي كله مشرف ولهذا يشيطنهم العدو وإعلامه المضلل، ويشكك دائماً في دورهم التاريخي المناصر لثوابت الأمة.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب