الإمامة بين شرف النسب وأهلية القيادة.. لماذا أهل البيت؟
السياسية || عبدالمجيد عزيز*
إذا كان جمهور أهل السنة قد اشترطوا القرشية في الإمامة، استنادا إلى قرب قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: من الأقرب إلى رسول الله من أهل بيته ومن ابنته وربيبه وابن عمه؟ ومن أحق بالاعتبار من ذريته من الحسن والحسين، سيدي شباب أهل الجنة؟ فهم أصحاب الرحم الأقرب والامتداد العائلي المباشر.
إن الاستدلال بالقرشية لا ينبغي أن يقف عند حدود الانتماء القبلي العام، بل يفتح باب النظر في مراتب القرب، ويجعل أولوية أهل البيت حجة جديرة بالاعتبار، تسندها وتؤيدها مكانة أهل البيت في النصوص القرآنية والنبوية؛ من حديث الثقلين والولاية والسفينة والمودة، ووصية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ بأهل بيته، وفضائل الإمام علي والحسن والحسين، وذريتهما، وما تواتر من تعظيم منزلتهم ومكانتهم في الأمة.
ومن هنا ترجح الحجة الزيدية؛ فإذا كانت القرشية معتبرة في الإمامة، فإن قرابة رسول الله أولى بالاعتبار، وإذا كان القرب من النبي معيارا في الترجيح، فإن أهل بيته أولى من سائر قريش بهذا القرب.
لكن النظرية الزيدية لا تقف عند شرف النسب وحده؛ فهي لا تجعل الإمامة إرثا ينتقل تلقائيا، ولا تمنح الحاكم عصمة أو حصانة من النقد، ولا تكتفي بمجرد الانتساب إلى البطنين، بل تجمع بين النسب والعلم والعدالة والشجاعة والكفاءة والقدرة على القيام بأعباء الحكم، والاستعداد للجهاد ومواجهة الظلم، وتجعل الدعوة والبيعة والقيام بالمسؤولية من معالم تحقق الإمامة.
والأهم أنها لا تنظر إلى الحكم باعتباره امتيازا يُورث أو سلطة تُغتصب، بل ثورة ضد الظلم، ومسؤولية تُحمل، وعدلا لا بد أن يُقام.
وهنا تتجلى إحدى أبرز مزايا التصور السياسي الزيدي: فهو يجمع بين خصوصية الانتماء إلى أهل البيت وعمومية المسؤولية أمام الأمة؛ فلا عصمة تمنع المساءلة، ولا نسب يعفي من شروط الكفاءة، ولا مكانة تبيح الاستبداد.
فالإمام ليس مالكا للأمة، ولا حاكما عليها بحكم الوراثة المجردة، بل مسؤول عن إقامة العدل وصيانة الحقوق، وتظل شرعيته مرتبطة بعدالته وقدرته على النهوض بأعباء الإمامة وتحقيق مقاصدها.
وبينما تتباين المذاهب الإسلامية خصوصا والمذاهب البشرية عموما في تحديد مصدر الشرعية السياسية وشروط الإمام أو الحاكم بين النسب والاختيار والتغلب والتوريث،
تقدم النظرية الزيدية نموذجا يجمع بين مرجعية أهل بيت النبوة، وأهلية القيادة، وواجب الإصلاح والمساءلة، ومبدأ القيام في وجه الظلم، بعيدا عن حصر الإمامة في مجرد التغلب أو التوريث.
إن محور التميز هنا أن الزيدية لم تفصل النسب عن الكفاءة، ولم تجعل الكفاءة مبررا لإهدار خصوصية أهل البيت؛ بل رأت أن الأولى تطبيق الأوامر القرآنية والنبوية ذات الصلة، فتجتمع بذلك فضيلة القرب من رسول الله مع فضيلة العلم والعدل والشجاعة والكفاءة والقدرة.
فشرف النسب يمنح أولوية الاعتبار، وأهلية العلم والعدل تمنح استحقاق القيادة، والقيام بالحق يمنح الإمامة معناها ومسؤوليتها.
وتلك هي فلسفة الإمامة في أهل البيت كما تتجلى في البناء السياسي الزيدي: إمامة لا تقوم على القرابة وحدها، بل على اجتماع النسب الشريف مع الكفاءة والعدل والمسؤولية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

