السياسية || محمد محسن الجوهري*

خرج المرتزق السلفي هاني بن بريك مؤخراً على قناة إماراتية ليتهم السعودية بأنها غدرت بما يسمى بـ "المجلس الانتقالي"، وهو كما هو معروف فصيل مرتزق عمل تحت راية التحالف السعودي الإماراتي لأكثر من عشر سنوات. ولكن مؤخراً، وبدافع مصالح الرياض، أقدم النظام السعودي على تصفية هذا التنظيم سياسياً وميدانياً على الأرض، خلال أحداث ما يُعرف بـ "ديسمبر 2025". ولم تراعِ الرياض في ذلك الخدمات الجليلة والتضحيات الجسيمة التي قدمها مرتزقة المجلس الانتقالي من أجلها؛ فهم أكثر تنظيم قاتل تحت راية السعودية والإمارات وهلك منهم الآلاف المؤلفة في الجبهات، سواء في الساحل الغربي، أو الجبهات الشمالية، أو حتى دفاعاً عن الحدود السعودية، لدرجة أن المقاتل الجنوبي أصبح أرخص مرتزق في العالم بحسب ما هو معترف به في الصحف الغربية.

ولم تراعِ السعودية كعادتها هذا الجميل، وهذا ما دفع المجلس الانتقالي ومرتزقة الإمارات عموماً إلى العزوف عن المشاركة في الجبهات ضد حكومة صنعاء.

إلا أن الإعلام الإخواني، بقيادة حزب الإصلاح، خرج بعد تصريحات هاني بن بريك متهماً التنظيم -أو المجلس الانتقالي ومن يقف وراءه- بالتنسيق مع "أنصار الله". وأن هذا الاعتراف، وهذا التصريح، ومهاجمته للسعودية بأنها غدرت بالمجلس الانتقالي، إنما هو دعم مبطن لأنصار الله، وأنه يأتي في إطار التنسيق المشترك القديم بين الطرفين.

ورغم أن هذه الأسطوانة لا نحتاج إلى دحضها فهي واضحة المعالم، إلا أنها تكررت كثيراً؛ ليس فقط من جهة الإخوان ضد خصومهم، ولكن حتى جماعة الإخوان كرروها في يوم من الأيام. فكم سمعنا من حزب الإصلاح، وخاصة بعد العام 2017 واندلاع الأزمة الخليجية، كنا نسمع من حزب الإصلاح أن النظام السعودي غدر بهم رغم أنهم قدموا التضحيات الجسام لصالح الرياض ودفاعاً عن المملكة، وأن الرياض قامت بطريقة أو بأخرى بدعم الحوثيين عبر غدرها بالمقاتلين في الجبهات من مرتزقة ما تسمى"الشرعية".


أي أننا أمام أسطوانة تتكرر، وهذا يؤكد حقيقة واحدة هي أن السعودية غدرت بالجميع؛ ولو أن مرتزقة الإخوان أو مرتزقة المجلس الانتقالي درسوا التاريخ جيداً لوجدوا أن السعودية من عاداتها الأصيلة أن تغدر بجميع حلفائها، ولكم في "عفاش" عبرة لو كنتم تعقلون؛ فقد قدم عفاش اليمن على طبق من ذهب للنظام السعودي، وكان آخرة أمره أن أُجبر على الاستقالة وأن يسلم السلطة لطرف آخر من حلفاء الرياض، ولو كانت السعودية ترعى الجميل لكان هو أحق بذلك.

وتكرر الأمر أيضاً مع أطراف أخرى في اليمن، فكل طرف -سواء كان شيخاً قبلياً أو حزباً سياسياً- يوالي السعودية ينتهي به الأمر إلى الهلاك؛ سواء على يد السعودية، أو على يد أطراف أخرى معادية للسعودية أو موالية لها، لأن السعودية قائمة بهذا الأسلوب، فهي دولة سادية تنتقم من حلفائها قبل أعدائها، وترى أن على الجميع أن يكونوا عبيداً لها.

والأمر أيضاً ليس مقتصراً على اليمن؛ فمن قبل، وفي جمهورية العراق، دعمت السعودية صدام حسين ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، وبمجرد أن انتهى صدام من حربه العدوانية التي استمرت لثماني سنوات، تخلت السعودية وشركاؤها الخليجيون عن العراق وقاموا بمحاربة صدام وتدمير اقتصاده، ثم حدث ما حدث في حرب الخليج بين عامي 1990 و1991. وكذلك الأمر بالنسبة حتى للنظام المصري السابق بقيادة محمد مرسي، أو نظام الإخوان، الذي كما كنا نعرف بأن الإخوان أداة بيد السعودية، ولكن بمجرد أن وصلوا للسلطة وقبل أن يتموا عامهم الأول تخلصت منهم الرياض لأسباب لا نزال نجهل الكثير منها.

وحتى الدولة الشقيقة للسعودية وهي قطر، التي تشارك السعودية العقيدة الوهابية، هي أكثر نظام سياسي تكرهه السعودية؛ فرغم العقيدة المشتركة إلا أنهم ألد الأعداء. والسبب أن هذه العقيدة التي تؤمن بها السعودية ليست عقيدة حقيقية ولا تجعل من معتنقيها أولياء، ولكنها تجعل منهم أعداء، وهذه هي طبيعة المذاهب والأفكار النفاقية؛ تجعل من أهلها فئتين متصارعتين كما قال الله سبحانه وتعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا}. ولذلك سيبقى المرتزقة في اليمن في حالة صراع واتهامات متبادلة وفي حالة غدر؛ هذا يغدر بهذا وهذا يغدر بهذا، والسعودية تغدر بالجميع. وللأسف أن هذا كله بعد تضحيات جسيمة قدموها دعماً للسعودية ولم ترضَ عنهم السعودية مهما قدموا، وسينتهي بهم الحال إلى مزبلة التاريخ جميعاً.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب