إسقاط الوصاية
السياسية || أسامة أبو عُمر*
إن الأزمة الحقيقية التي تعصف بالخطاب الديني في العالم الإسلامي وحالة الانقياد الأعمى التي جعلت المسلمين يحتكمون لآراء "رجال الدين" دون تفكير أو بحث أو قناعة راسخة لم تنشأ من فراغ بل هي نتاج مباشر لحالة من "الإفقار المتعمد" لعلاقة المسلم بكتابه لقد تحول القرآن في الوعي الجمعي من "كتاب هداية ومنهج حياة" إلى مجرد "أداة لجمع الحسنات والتبرك" يُقرأ بالشفاه ولا يتجاوز الحناجر غائبًا عن العقل والتدبر
تأسس هذا الواقع المرير على أسطورة تاريخية رسخها بعض رجال الدين مفادها أن القرآن نص معقد طلاسمه عصية على الفهم ولا يمكن لعقل المسلم البسيط أن يقترب منه إلا عبر بوابتهم وبواسطة شروحاتهم
هذه الحالة خلقت نموذجًا مطابقًا لما كانت عليه الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى عندما احتكرت قراءة الإنجيل وتفسيره مستغلة جهل الشعوب الأوروبية باللغة اللاتينية لتفرض هيمنتها المطلقة
ورغم أن القرآن نزل بلغة العرب الميسرة إلا أن الكهنوت المصطنع خلق "لاتينية جديدة" عبر إيهام الناس بأن لغة القرآن تحتاج إلى وسطاء ووكلاء حصريين ولكن عندما نحتكم إلى القرآن ذاته نجده ينسف هذه الأسطورة من جذورها ويؤسس لعلاقة مباشرة بلا وسطاء بين الخالق والمخلوق، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾
هذه الآية إعلان إلهي واضح وصريح بأن لغة القرآن ميسرة قريبة من الأفهام وليست معقدة، الاستفهام هنا (فهل من مدكر؟) هو دعوة مفتوحة لكل إنسان ليقرأ ويفهم ويتدبر
ويؤكد ذلك قوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فالآيات مفصلة بوضوح تام نزلت بلسان عربي مبين ليفهمها من يقرؤها وليست ألغازًا تحتاج إلى طبقة من "الكهنة" لفك شِفراتها عبر فهم "سلف الأمة"
يقول تعالى:
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾
﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾
هذه الآيات تقطع الشك باليقين وتؤسس لحقيقة كبرى القرآن شامل كامل بذاته لا يحتاج إلى من يسد فيه نقصًا فهو "تبيان لكل شيء" هذا التفصيل الإلهي يجرد أي سلطة بشرية من ادعاء الوصاية على المعنى أو احتكار الحقيقة المطلقة
إن أولى الناس وأحقهم بتفسير القرآن هو الرسول الأعظم ﷺ فهو الذي أُنزل عليه وهو خير من فهمه وعلِم وعَمِل به ومع ذلك من أعظم تجليات الإعجاز والرحمة أنه لا يوجد بين أيدينا اليوم "تفسير كامل وشامل" للقرآن بلسان أو يد الرسول الأعظم ﷺ، تُرك النص مفتوحًا لأن الله يعلم أنه صالح لكل زمان ومكان ولأن العقل البشري يتطور والعلوم تتقدم والقرآن يتسع لاحتواء كل هذا التطور الجيلي ليُستنطق في كل عصر بما يتناسب مع مداركه واحتياجاته
لا يوجد في الإسلام "كهنوت" ولا "طبقة مقدسة" تحتكر فهم مراد الله القرآن كتابك نزل بلغتك وخاطب عقلك مباشرة إن الخطوة الأولى نحو نهضة هذا العالم وانتشاله من ضعفه تبدأ بتحطيم صنم "الوصاية الدينية" والعودة إلى القرآن ككتاب حي يُقرأ للفهم ويُتدبر للعمل بعقول مفتوحة وقناعات راسخة لا تُبنى على التبعية بل على التأمل المباشر في آيات الله المفصلة والميسرة.
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

