اللمسة الإسرائيلية في الموضوع
السياسية || محمد محسن الجوهري*
وأنت تتابع الأخبار على التلفاز أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثناء متابعتك لقضايا لا تقبل القسمة على ثلاثة مثل أخبار اليمن وغزة، ستتفاجئ بإضافة خبرية للنص أو المقطع تتناقض كلياً مع المضمون، وأكثر ما ستجد ذلك على الأخبار المرتبطة بالجزيرة وغيرها من المنصات وشبكات المؤثرين بالمرتبطة بدولة قطر، وهذه الإضافة المناقضة للنص تأتي في إطار "اللمسة الإسرائيلية" التي تضفي نكهة صهيونية على أي مادة خبرية وتعمل على نزع القداسة عن أي قضية محورية تخص الأمة الإسلامية، وأولها قدسية القضية الفلسطينية.
تتجلى هذه "اللمسة" بأوضح صورها في التناقض الصارخ بين هول المشهد الإنساني المأساوي وحجم الدمار في غزة أو اليمن، وبين محتوى الشريط الإخباري (Breaking News) أو التعليق المصاحب الذي تبثه بعض المنصات؛ فبينما يعرض الشاشة تقريراً مصوراً ينزف ألماً عن أشلاء الأطفال ودعوات الاستغاثة، يطالعك الشريط الأسفل أو التعليق الصوتي بخبر مفاجئ يدمج رواية الاحتلال أو يبرر سرديته تحت غلاف "الرأي الآخر" أو "التحليل الاستراتيجي"، مثل تسليط الضوء المفاجئ على "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس" أو تضخيم مخاوف أمنية إسرائيلية مزعومة في عز مجزرة جماعية. وهذا المزج المدروس يعمل ببطء وخبث على إحداث تخدير تدريجي لوعي المشاهد، وإزاحة البوصلة من موقع "الضحية والجلاد" إلى مساحة رمادية متساوية، تفقد القضية هويتها العقدية والوطنية وتفرغها من مضمونها التحرري، لتصب في النهاية في خدمة استراتيجية التطبيع الناعم وهندسة الوعي العربي بما يخدم المصالح الإسرائيلية بشكل مباشر أو غير مباشر.
وقد نجحت قطر بامتياز في فصل الأمة عن أهم مصادر قوتها عبر الترهيب الإعلامي، فمثلاً، يدرك الجميع أن الجمهورية الإسلامية في إيران هي القوة الأخلاقية الوحيدة في المنقطة، والحاضن الرئيسي لكل أشكال المقاومة للاحتلال الصهيوني في فلسطين وغير فلسطين، وقد عملت الجزيرة على شيطنة كل أشكال الدعم الإيراني للمقاومة واعتبارها "خدمةً لمصالح خاصة بطهران" الأمر الذي جعل قادة المقاومة يتحرجون بالاستعانة بإيران خوفاً من ذلك الترهيب، فكانت النتيجة أن وقفت حركات المقاومة منفردة في وجه الاحتلال الصهيوني بعد أن لعب الإعلام دوراً كبيراً في وصولها إلى هذه النقطة.
أي أن هذا الإقصاء الممنهج جاء نتيجة خطة إعلامية متكاملة استهدفت قطع الحبل السري بين قوى المقاومة وعمقها الاستراتيجي والعقدي. فمن خلال تضخيم سردية "الحياد المزعوم" و"الأمن القومي العربي"، نجحت ماكينة التوجيه الإعلامي في فرض معايير مزدوجة تجعل من كل تحالف حقيقي مع قوى الممانعة تهمةً تستوجب الإدانة والشيطنة، وفي المقابل، تُشرعن اللقاءات والتنسيق الخفي والعلني مع دوائر التطبيع والاحتلال تحت غلاف "الوساطة الدبلوماسية". هذا التشويه المتعمد للوعي الجمعي أدى إلى محاصرة حركات التحرر في جغرافيا ضيقة، ودفعها للمواجهة وحدها في معركة مصيرية، مما يخدم بشكل مطلق الأجندة الإسرائيلية في تفكيك وحدة الصف الإسلامي، وضرب كل محاولة لتشكيل جبهة إقليمية صلبة قادرة على تغيير معادلة الصراع لصالح الأمة.
وكل ذلك جاء نتيجة هذه "اللمسة الإسرئيلية" في الأخبار التي لم نزيف الحقائق والوقائع ولكنها عملت على التخريب البنيوي للوعي الإنساني والعقدي من خلال "الجراحة النفسية" للخبر، حيث يتم عمداً تجريد القضايا الكبرى من أبعادها المقدسة والإنسانية العميقة. وهذا التلاعب الممنهج يحول الضحايا إلى مجرد "أرقام" في نشرات الطقس والسياسة، ويقتل في نفوس المتابع شعور الغضب والحمية، ليدجّن العقل الجمعي ويدفعه نحو تطبيع ذهني مع الجريمة. وهكذا، تتحول المادة الخبرية إلى مبضع شيطاني يقتلع جذور الانتماء الديني والقومي على المدى البعيد، ولك أن تقارن قدسية المسجد الأقصى اليوم وقبل عشرين سنة، وما بين التاريخين هو صنيعة اللمسة الشيطانية للإعلام المتصهين.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

