في ذكرى مولد النور
أسماء الجرادي*
مع إطلالة شهر ربيع الأول، تتجدد إطلالة النور الذي أشرق على البشرية جمعاء. إنه شهر مولد سيد الخلق، محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث بزغ فجر الرسالة المحمدية لتكون منهجًا للحياة، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ الإنسانية، في الثاني عشر من ربيع الأول، أشرق نور الهدى على الوجود، واستبشرت بطلعته الأرض والسماء، فتبددت ظلمات الجهل، وبزغ الفجر في العالمين.
وها هي اليوم أرض اليمن، كعادتها من قديم الزمن، تتزين بأبهى حللها لاستقبال ذكرى ولادته المباركة.
قلوب أبنائها تلهج بذكره، وحمداً لله الذي كرمنا بهذه الرسالة. ولا عجب أن يكون شعب اليمن هو الأكثر ابتهاجاً وفرحاً بهذا اليوم، وهو النبي الذي ذكر هذا الوطن وشعبه الأنصار في عدد من وصاياه الشريفة.
إنه وسام شرف يُوضع على قلب اليمن على مدى الأزمان، وسنظل نحتفظ بالمزايا التي زيننا بها الله ورسوله، لنكون قدوة لعالم الإسلام، مهما واجهنا من صعوبات وأزمات صنعها لنا الكفار والحساد، الذين يحاولون ثنينا وإبعادنا عن هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يمحوا ذكراه فينا.
ولقد وصل بهم الأمر أن قالوا إن الفرح والاحتفال بهذه المناسبة العظيمة بدعة، وهو ما يتماهى مع قول اليهود الذين أصبحنا اليوم في مواجهة مباشرة معهم، في حرب تستهدف الروح والهوية، لكن العاقل هنا هو من يتفكر وينظر للفائدة العظمى من إحياء هذه الذكرى.
ولننظر أولاً لما تعانيه الأمة الإسلامية من هجمات شرسة ومباشرة من أعدائها، فضلاً عن محاولات محو القيم الإسلامية النبوية، حتى وصلوا إلى تحريف بعض الأحاديث النبوية، وتغييب بعض آيات القرآن الكريم وتفسيرها تفسيراً لا يتناسب مع عظمتها وأهميتها، وفي ظل الاعتداءات المتكررة على المقدسات والاسائة للأسلام ولنبي الاسلام ولكتاب الله العظيم.
نحن بهذه الذكرى، نحيي الفعاليات المختلفة التي من خلالها نجدد ذكر رسول الله وكأنه ما زال بيننا، ونتناقش ونتذاكر سيرته العطرة، ونعمل بكل جد على تطبيق منهجه القويم. وهذا هو حفاظٌ على الدين من الضياع في واقع قد انحرف فيه الكثير، وارتد البعض عن هذا الدين، وانتشرت حملات التشويه لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وللدين الإسلامي أجمع.
وبإحياء هذه المناسبة، نوضح للعالم من هو رسول الله، وما هي الرسالة الإسلامية، وبالاحتفاء، يكمن ترسيخ حبه في قلوب الأطفال، لينشأ جيل قوي مؤمن، محب لرسول الله، متمسك بهديه، فنحن في زمن الضياع، وإذا لم نرسخ العقيدة الإيمانية في القلوب، فسوف ينشأ جيل فاسد يتبع أعداءه، وتضيع هذه الأمة.
ولا غرابة أن يكون الشاب لا يعرف من الإسلام سوى كلمات جوفاء، فيما يملأ فكره العداء لدينه، ولا يعرف عن رسوله سوى اسمه، وسيكون القرآن كتاباً مهجوراً في رفوف النسيان، ولو لم يكن من إحياء هذه الذكرى إلا الصلاة على رسول الله، والكلام عن سيرته ومنهجه، والاجتماعات الإيمانية وذكر الله ورسوله، والتناصح لبعضنا البعض، لكان إحياء ذكراه واجباً علينا.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له مثل أجرها وأجر من عمل بها"، فحين نجتمع ونتذاكر سيرته، نحتشد ونصلي عليه بصوت واحد، وتذرف الدموع حباً وشوقاً له، وهو يرانا عند مليك مقتدر ويفخر بنا أمام الملائكة. ولقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
ولقد قرن الله اسمه باسم رسولنا، وما أجمل أن نكون نحن المؤمنين الذين استجابوا لله ولهجت ألسنتنا بذكره وبالصلاة على رسوله الكريم.
هكذا يجب أن نفكر في فائدة إحياء هذه الذكرى قبل أن نفتح آذاننا لما يقول الحاقدون، ولنعلم أن الكثير من علماء المسلمين في السابق قد أفتوا باستحباب الاحتفال بمولده.
لكن، انحياز قادة المسلمين للأعداء في وقتنا الحالي هو الذي جعلهم يقفون ضد هذه الاحتفالات، بحجة أنها بدعة فقط لأنهم مأمورون من قادتهم الغربيين. وإلا فإنهم يقومون باحتفالات مخلة بالآداب الإسلامية، فلماذا لا نجد من يستنكرها؟ يجب أن نكون واقعيين ونبتعد عن المكائد والأحقاد التي قد نخرج بسببها عن الدين بكله، فقط لأننا ضد هذا أو ذاك.
أما من يقول لماذا نحتفل بمولده وقد توفي في نفس اليوم الذي وُلِد فيه؛ هنا نقول: "الرسول وُلِد والأمة في ضلال"، والجميع يعلم حال الأمة قبل نشر الرسالة التي أرسلها الله إلينا على يد حبيبه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف أصبحت الأمة بعد إكمال الرسالة ووفاته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ولهذا فمن يعتبر أن وفاة الرسول ومولده سواء فهذا شأنه، أما نحن، فنحتفل ونؤمن أنه قد أكمل الرسالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وانتقل إلى جوار الله ليرى حالنا من بعده، وقد علمنا وأرشدنا إلى الحق.
أخيراً، يجب أن تكون هذه المناسبة دافعاً لتغيير أنفسنا للأفضل، ومحاولة تطبيق أخلاق رسول الله في أنفسنا وفي حياتنا اليومية، في البيت وفي العمل وبين الإخوة والأصدقاء، لنكون مقتدين برسول الله قولاً وفعلاً، لنكسب حب الله ورسوله، نحن اليمنيون نفتخر اننا من أنصاره في المدينة المنورة، واليوم نجدد العهد والبيعة له ونناصر غزة وفلسطين وكافة بلاد المسلمين بما نستطيع. والحمد لله على نعمة الإسلام وميلاد خير الأنام.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

