السياسية - وكالات:



لم يكن الحادي عشر من يناير 2026 يوم نهاية المعاناة بالنسبة للصحفي الفلسطيني مجاهد بني مفلح، بل كان بداية فصل جديد من الألم. فبعد ستة أشهر ونصف قضاها في الاعتقال الإداري داخل سجون العدو الإسرائيلي، خرج إلى الحرية منهك الجسد، ليجد نفسه بعد يومين فقط في مواجهة معركة قاسية مع المرض، كشفت حجم ما تركته شهور الاعتقال من آثار عميقة على صحته وحياته.

بني مفلح، الصحفي العامل في موقع "الترا فلسطين" وأب لثلاثة أبناء، لم يخرج من السجن حاملاً ذكريات الاعتقال فحسب، بل حمل معه جسدًا أثقلته المعاناة.

فقد تدهورت حالته الصحية بصورة متسارعة بعد الإفراج عنه، وظهرت عليه أعراض الإرهاق الشديد وفقدان القدرة على المشي وضعف الإحساس بالأطراف، قبل أن يخوض رحلة علاج طويلة غيّرت نظرته إلى الحياة بشكل جذري.

وبحسب منشور له عبر مواقع التواصل الاجتماعي، نقلته وكالة (شهاب) الفلسطينية، ومرفق بصورة تُظهر التحولات الكبيرة التي طرأت على ملامحه، استعاد بني مفلح تفاصيل التجربة التي وصفها بأنها غيّرته إلى الأبد.

ويقول: "تعلمت كيف يمكن لرغيف خبز أن يصبح حلمًا، وكيف لجرعة ماء باردة أن تبدو كأنها نعمة من السماء"، مؤكدًا أن أربعة عشر شهرًا بين السجن والعلاج كانت كافية لإعادة تشكيل نظرته إلى أبسط تفاصيل الحياة.

وتحدث عن الجوع الذي رافقه داخل المعتقل، قائلاً إنه أدرك معناه الحقيقي حين كان ينتظر لقمة لا تكفيه وينام على ألم المعدة ليصحو على الإحساس ذاته. كما وصف الإذلال الذي يعيشه الأسير عندما تصبح أبسط تفاصيل يومه خاضعة لسيطرة السجان، فيفقد حقه في الخصوصية والكرامة وحتى في اتخاذ قراراته اليومية البسيطة.

ولم يتوقف الألم عند حدود الاعتقال، بل امتد إلى رحلة العلاج الشاقة التي أعقبت الإفراج عنه. وقال: "تعلمت معنى العجز حين يصبح القيام من السرير معركة، والخطوة الواحدة إنجازًا، والتنفس بلا ألم أمنية، والنوم الهادئ رفاهية بعيدة".

وفي خضم هذه المحنة، اكتشف بني مفلح وجوهًا أخرى للحياة، فرأى حقيقة الناس من حوله؛ من غابوا في أصعب اللحظات، ومن حضروا رغم المسافات، ليؤكد أن المواقف وحدها هي التي تمنح الصداقة معناها الحقيقي.

ورغم قسوة التجربة، خرج الصحفي الفلسطيني بخلاصة مؤلمة ومضيئة في آن واحد؛ إذ أدرك أن النعم التي يعتادها الإنسان ليست الأشياء الكبيرة التي يسعى إليها دائمًا، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي تمر دون انتباه: الشبع بعد الجوع، والارتواء بعد العطش، والمشي بحرية، والنوم بطمأنينة، والاستيقاظ دون ألم، ورؤية الأحبة دون حواجز أو مواعيد أو أذونات.

وتكشف حالة بني مفلح جانبًا من الواقع القاسي الذي يعيشه الأسرى الفلسطينيون داخل سجون العدو الإسرائيلي، حيث تتواصل الشهادات حول سياسات التجويع والإهمال الطبي والتعذيب الجسدي والنفسي، والتي لا تنتهي آثارها غالبًا عند بوابات السجون، بل تلاحق الأسرى المحررين لسنوات طويلة بعد نيل حريتهم.

ولم تكن رحلة مجاهد الصحية بعد التحرر مجرد حالة فردية، بل بدت انعكاسًا لمعاناة أوسع يعيشها الأسرى الفلسطينيون. فبينما كان يحاول استعادة قدرته على المشي والتعافي من آثار المرض، رأى مختصون في شؤونه نموذجًا لما تتركه سنوات الاعتقال من ندوب لا تزول بخروج الأسير من السجن.

ويقول مدير مركز فلسطين لدراسات الأسرى رياض الأشقر إن ما أصاب بني مفلح يكشف جانبًا من الأثمان الباهظة التي يدفعها الأسرى داخل المعتقلات الصهيونية، موضحًا أن الظروف القاسية التي عاشها خلال فترة احتجازه تركت آثارًا صحية خطيرة رافقته حتى بعد الحرية، ليتحول خروجه من السجن إلى بداية معركة جديدة مع الألم والعلاج.

وتبقى قصة الصحفي الفلسطيني مجاهد بني مفلح شاهدًا على أن الحرية لا تعني دائمًا انتهاء المعاناة. فآثار السجون الصهيونية لا تتوقف عند الأسوار والأقفال، بل تلاحق الأسرى في أجسادهم وأرواحهم حتى بعد التحرر.

وبين صورة مجاهد قبل الاعتقال وبعده، تتجسد حكاية وجعٍ طويل، وشاهدًا على ما تتركه سياسات الكيان الصهيوني من ندوب تمتد لسنوات، لتظل شاهدة على جرائم لا تنتهي أبوابها عند لحظة الإفراج.