جنوب لبنان.. الجبهة الأنسب لاستنزاف العدو
السياسية || محمد محسن الجوهري*
سابقاً، كان أمام العرب فرصة لاستنزاف العدو الصهيوني في قطاع غزة، إلا أنهم جمدوا وخانوا خوفاً على مناصبهم ومصالحهم المزعومة. وكان لهذا الخذلان الدور الأكبر في تشجيع العدو على التنكيل بأهالي القطاع وإبادة أكبر عدد ممكن منهم خلال سنتين من الإجرام والصمت المروع.
وبمجرد أن انتهى العدو من غزة، بدأ الإعداد لمشروع "إسرائيل الكبرى"، ولم يثنه عن ذلك إلا الجمهورية الإسلامية وصمودها الأسطوري في مواجهة العدوان الصهيو-أميركي؛ وقد أدى هذا الصمود إلى تراجع لغة التهديد من قبل العدوين في واشنطن وتل أبيب. ولو سقطت إيران لسقط كل العرب تباعاً، حتى يصل الصهاينة إلى بيت الله الحرام، أقدس المقدسات الإسلامية، وقد جاهروا بنواياهم مرات عديدة؛ ولا يمكن القول إنه لا يوجد في الحرمين رجال لو انهار المحور ورجاله.
وبما أن جبهة لبنان لا تزال مشتعلة، فهي فرصة تاريخية للنيل من العدو الصهيوني وإغراقه في استنزاف قدراته العسكرية، وصرفه عن استئناف مشاريعه التوسعية الأخرى. وللعرب تاريخ طويل وخبرة لا يستهان بها في الحروب، كما فعلوا في اليمن وسورية وليبيا والعراق؛ وعليهم فقط أن يُفعِّلوا هذه الخبرة في لبنان إن أرادوا السلامة لأوطانهم، والحفاظ على المناصب والمصالح لهم ولأولادهم من بعدهم، ما لم فإن العدو سيلتفت إليهم فور انتهائه من "رجال الرجال" في جنوب لبنان.
ولو افترضنا أن العرب وعوا هذه الحقيقة، فإنهم مطالبون بدعم صمود حزب الله وتمويله بالمال والعتاد، وتبني الملف الإنساني للنازحين والمهجرين من الجنوب؛ فهذا كفيل باستئصال الكيان، خاصة إذا استمر الاستنزاف ودخل العدو في حرب طويلة الأمد، ورفض الانسحاب والإقرار ببنود الاتفاق المبرم بين طهران وواشنطن.
أما لو فعلوا كما فعلوا في سورية، وأرسلوا الدعم البشري إلى جانب الدعم المادي، فإن مسألة الحسم ستكون أسرع بكثير مما نظن. ويكفي للأمر أن يوجهوا شيوخهم ومنابرهم لتبني فكرة الجهاد ضد العدو الصهيوني في لبنان، وأن يدعوا الشباب للتحرك إلى ساحة المعركة؛ وسيفعلون ذلك بالمال والفتاوى، وسينضم الآلاف المؤلفة من رجال العرب وغير العرب كما اجتمعوا من قبل في أفغانستان. ويكفي أن تنطلق فتوى واحدة من الحرم المكي حتى يتحول الحلم الصهيوني إلى كابوس مرعب؛ واليهود يعلمون هذه الحقيقة ويحسبون لها ألف حساب، ولهذا نجد الصهاينة يؤمون المصلين في بيت الله الحرام -من أمثال السديس والكلباني وغيرهم.
أما عن الواقع الميداني وكيفية تحويل المعركة إلى حرب استنزافٍ شاملةٍ ومتعددة الجبهات، فالأمر يبدأ إلا بفتح مساراتِ إمدادٍ مفتوحةٍ تضمن تدفق النوعية والكَمّ من العتاد العسكري المتقدم لحزب الله، وتفعيل الجبهات الرديفة لتقطيع أوصال العمق الصهيوني، بما يجبر قيادة العدو على تفتيت قوتها النارية وتشتيت دفاعاتها الجوية والبرية على طول الحدود.
إضافة إلى خلق حالةٍ من عدم اليقين الدائم لدى الجبهة الداخلية للعدو عبر فرض حصارٍ بحريٍ واقتصاديٍ مطبق، وقطع شريان الإمداد اللوجستي الذي يعتمد عليه الكيان في بقائه، مما يجعله في مواجهةٍ مباشرةٍ مع أزمة موارد تتفاقم مع كل يومٍ إضافي من القتال. وحينما تجتمع القدرة الصاروخية لحزب الله مع غطاءٍ سياسيٍ عربيٍ يشرعن هذا التوجه، ويتبعه تفعيلٌ حقيقيٌ للمقاطعة الشاملة ومحاصرة المصالح الصهيو-أمريكية في المنطقة، فإن العدو سيفقد القدرة على المناورة، ويصبح أمام خيارين أحلاهما مر: إما الغرق في مستنقعٍ عسكريٍ يستنزف مقومات وجوده، أو التراجع المذل تحت وطأة ضغطٍ لا يجد معه منفذاً للنجاة.
وفي خضم هذا المشهد تبرز الحقيقة التي تخشاها الأنظمة العربية؛ وهي أنَّ أي تراخٍ إضافي لن يُفسَّر لدى العدو إلا بصفته ضوءاً أخضر للمضي قدماً في مشروعه التصفوي. فاستراتيجية الصمت، التي اعتمدتها بعض الأنظمة ظناً منها أنها ستعزلها عن نار المعركة، قد أثبتت فشلها الذريع، إذ لا حصانة في عُرف الصهيونية إلا بميزان القوة. ومن هنا، فإنَّ استنزاف العدو في جنوب لبنان هو اختبارٌ وجوديٌ لشرعية هذه الأنظمة أمام شعوبها؛ فإما أن ترتقي إلى مستوى التحدي بقراراتٍ سياسيةٍ شجاعةٍ تنهي حالة الارتهان، أو أن تعترف بأنَّ جدار الصد الوحيد الذي يحمي عروشها قد بدأ يتآكل، وسيتم التخلص منهم بمجرد أن يحقق العدو مآربه النهائية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

