كربلاء ليست للبكاء فقط.. بل لكشف الأسباب التي صنعت المأساة وتعيد إنتاجها في كل عصر (الجزء الثاني)
السياسية || بقلم : محمد علي الحوثي*
نعم أيه الإخوة واستكمالا لدراسة كربلاء ليست للبكاء
نؤكد بحسب فهمنا أن قراءة شهيد القرآن في محاضرة "دروس من وحي عاشوراء" التي ألقاها في المناسبة بتاريخ: 10/1/1423 ه الموافق: 23/3/2002م
لا تقف قراءة السيد حسين بدر الدين الحوثي عند حدود استحضار مشهد كربلاء بوصفه مأساة تاريخية مكتملة، وإنما تتجاوز ذلك إلى مساءلة الحاضر، وإخضاع الواقع المعاصر للمقاييس نفسها التي قرأ من خلالها سقوط الأمة في الامتحانات التاريخية السابقة.
ويؤكد أن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأمة هو أن تتحول من ناقدة للمواقف الخاطئة إلى مكررة لها، بحيث تلعن أهل الكوفة، وتدين المتخاذلين عبر التاريخ، ثم تعيد إنتاج المنطق ذاته عندما تصبح هي موضع الاختبار.
ولهذا ينتقل السيد من نقد موقف أهل العراق تجاه الإمام الحسين (عليه السلام)، إلى نقد ما يسميه حالة الركون، والخوف من المواجهة، وانتظار الآخرين ليتحملوا مسؤولية الدفاع عن الأمة، معتبراً أن هذا السلوك امتداد نفسي للحالة التي صنعت كربلاء.
ويقرر أن المشكلة لا تكمن في ضعف الإمكانات بقدر ما تكمن في طريقة النظر إلى الأحداث، إذ يرى أن الأمة كثيراً ما تكتفي بإظهار التعاطف والغضب، بينما تعجز عن تحويل هذا الشعور إلى مشروع بناء وإعداد وموقف عملي.
ومن اللفتات العميقة التي يثيرها السيد القائد شهيد القرآن حسين بدر الدين الحوثي في محاضرة "دروس من وحي عاشوراء" أنه لا يكتفي بتوجيه النقد إلى الأنظمة السياسية أو الزعامات العربية، بل ينقل بوصلة النقاش إلى داخل المجتمع نفسه، حيث يرى أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود قيادات تتبنى خيارات الاستسلام والتسوية، وإنما أيضاً في استعداد المجتمعات ذاتها لإعادة إنتاج المنطق نفسه عندما تصبح هي صاحبة القرار أو الموقف.
ولهذا يقول:
"ونحن - أيها الإخوة - أيضاً هناك ما هو أسوأ من هذا، في الوقت الذي نحن نشاهد زعماء العرب جميعاً في موقع نحن نسخر منهم، أنهم فرطوا في هذه الأمة، وأنهم دائماً يتحدثون عن السلام، ويبحثون عن السلام من أمريكا، ثم عندما وصلت الأمور إلى ساحتنا – نحن المواطنين - إذا بنا نكرر العبارة نفسها، ونتخذ الموقف نفسه، [ نريد السلام، والأفضل هو أن نسكت وأن نجمد وأن نحاول أن لا نثير وأن.. وأن...!! ] ".
ثم يطرح سؤالاً استنكارياً يكشف حجم التناقض: "أليس هذا هو ما كنا نلوم عليه زعماء العرب؟".
ويرى السيد أن هذا التناقض مؤشر على أن الأزمة أعمق من مجرد أخطاء سياسية، بل هي أزمة وعي وسلوك اجتماعي؛ إذ قد يدين الإنسان موقفاً معيناً نظرياً، لكنه عندما يوضع أمام امتحان مشابه يعيد إنتاجه عملياً.
ومن هنا يمكن إعادة صياغة السؤال المركزي الذي تؤسس له المحاضرة:
إذا كنا نلوم الذين فرطوا في نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، فلماذا نعيد إنتاج الآليات النفسية ذاتها التي قادتهم إلى التفريط ؟
ولذلك يعود السيد إلى المقارنة الجادة بين الحاضر وكربلاء قائلاً:
"فنحن عندما نشاهد هذه الأحداث، ونحن عندما نكون من يعرف أنها أحداث موجهة ضد ديننا، وضد أمتنا، وضد أنفسنا، وضد مصالحنا ثم نقف منها موقف الزعماء، فهذا هو أيضاً دليل آخر على أنك أسوأ من ذلك العراقي الذي وقف موقف يزيد من قضية مواجهة الإمام الحسين، أنت أسوأ منه".
وهكذا تتحول كربلاء من ذكرى تاريخية إلى مرآة يُقاس بها واقع الأمة ونفسياتها وآليات اتخاذها للمواقف.
الخوف من "العصا الغليظة" ومرض الوعي السياسي
يتوقف السيد حسين بدر الدين الحوثي عند ظاهرة يراها من أبرز مظاهر التفريط المعاصر، وهي اتخاذ الخوف من القوى الكبرى مبرراً للسكوت والجمود، وتحويل حسابات القوة المادية إلى معيار يحكم المواقف.
ويستشهد بقوله تعالى: { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ }
ثم يقول:
«بدأ الصدق، صدق ما في قلوبهم يخشون { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ { بعبارة: } [ نخاف العصا الغليظة ] ".
ويعلن رفضه لهذا المنطق بقوله: "نحن يجب أن نقول: نحن لا نخاف تلك العصا التي تسمونها غليظة، ونحن لا يجوز أن نخاف من أي عصا في هذه الدنيا».
ثم يلفت النظر إلى الدلالة القرآنية الواسعة لمفهوم المرض: «كلمة: { مَّرَضٌ } في القرآن الكريم واسعة جداً، واسعة جداً، مجمل ما تعني: أنه موقف غير طبيعي، موقف غير سليم، موقف غير صحيح، موقف غير واقعي».
ومن خلال هذا التحليل لا يصبح الخوف مجرد انفعال نفسي، بل يتحول إلى خلل في الرؤية، وعائق يحجب الإنسان عن تبني الموقف الذي ينسجم مع مقتضيات الإيمان.
ومن أبرز الإضافات الفكرية التي تقدمها هذه المحاضرة، إعادة قراءة مفهوم الخوف من منظور قرآني، حيث لا ينظر إليه بوصفه حالة انفعالية مجردة، بل باعتباره عاملاً مؤثراً في صناعة المواقف الجماعية، وقد يتحول - إذا استحكم - إلى أحد الأسباب الرئيسة لانحراف الأمة عن مسؤولياتها التاريخية.
ويستند السيد في ذلك إلى قوله تعالى: { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } ويفهم من سياق المحاضرة أن مصطلح "المرض" لا يقتصر على البعد العقدي أو الأخلاقي الضيق، - بل يشمل في امتداده الاجتماعي - كل موقف يفقد الإنسان توازنه الإيماني، ويدفعه إلى تغليب المخاوف الآنية على مقتضيات الحق والواجب.
ومن هذا المنطلق ينتقد السيد منطق التبرير القائم على الخوف من العقوبات أو الضغوط الخارجية، ويرى أن هذه النفسية هي ذاتها التي جعلت قطاعات من الأمة عبر التاريخ تؤجل القيام بمسؤولياتها، حتى تجد نفسها لاحقاً تدفع أثماناً أكبر بكثير مما كانت تخشاه في البداية.
وفي مقابل ثقافة التخويف، يطرح القرآن رؤية مغايرة تقوم على بناء الثقة بالله، واستحضار المقاييس القرآنية في تقييم موازين القوى، مستشهداً بقوله تعالى: { إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.
وبذلك يخلص السيد إلى أن الهزيمة تبدأ في الوعي قبل أن تقع في الميدان، وأن الأمم التي تنظر إلى خصومها من خلال معيار القوة المادية وحدها قد تنتهي إلى تضخيم صورة الخصم، وإضعاف قدرتها الذاتية على المبادرة، بينما يهدف القرآن إلى إعادة تشكيل الوعي بحيث يصبح الإنسان قادراً على اتخاذ موقفه انطلاقاً من معايير الإيمان والبصيرة، لا من حسابات الخوف وحدها.
استدعاء الإمام علي (عليه السلام) في تفسير الجبن السياسي
ولإبراز البعد الإيماني لهذه القضية، يستدعي السيد كلمات الإمام علي (عليه السلام)، ويربط بينها وبين التحليل القرآني للمواقف النفسية والسياسية.
فيقول: "إن الإمام علي ( عليه السلام ) يقول: ((ما أضمر إنسان شيئاً في قلبه إلا ظهر على قسمات وجهه وفلتات لسانه))».
ثم ينتقل إلى استحضار الحديث الشريف: ((لا تجد المؤمن جباناً ولا بخيلاً)).
ويعقبه بكلمة أخرى للإمام علي (عليه السلام): ((البخل والجبن خلتان يجمعهما سوء الظن بالله))».
وهذا الاستدعاء لا يأتي على سبيل الوعظ الأخلاقي المجرد، وإنما يمثل جزءاً من البناء الفكري للمحاضرة؛ إذ يريد السيد أن يقرر أن الخوف الذي يعطل الإنسان عن أداء واجبه ليس موقفاً سياسياً محايداً، بل يرتبط بمستوى الثقة بالله، وبكيفية فهم السنن الإلهية التي تحكم حركة التاريخ.
ولهذا يقول: "إذا كان ذلك مرضاً فيعني أن ذلك الموقف موقف غير صحيح».
ومن ثم فإن الجبن في هذه الرؤية ليس مجرد ضعف في الشخصية، وإنما هو مؤشر على خلل في اليقين، وسوء في تقدير العلاقة بالله تعالى، وبما وعد به المؤمنين من النصر والتأييد.
ويخلص من ذلك إلى نتيجة مركزية في بنية المحاضرة، وهي أن معركة الأمة ليست مع القوى المادية في ذاتها، بقدر ما هي مع الصورة الذهنية التي صنعتها الهزيمة النفسية داخل النفوس. فمن ينظر إلى الأحداث بعين القرآن، يرى أن القوة المطلقة لله، وأن الطغاة مهما بدوا عظماء إنما يستمدون تأثيرهم من خوف الناس منهم، لا من حقيقة ذاتية فيهم.
ومن هنا تصبح كربلاء، في قراءة السيد حسين بدر الدين الحوثي، درساً يتجاوز حدود المظلومية التاريخية، ليؤسس لوعي قرآني جديد، يرفض أن يكون الخوف أساساً للمواقف، ويجعل الثقة بالله، والاعتبار بالتاريخ، والانطلاق من هدي القرآن، هي المعايير التي يُبنى عليها الموقف الصحيح قبل أن يتكرر الندم الذي جاء متأخراً عند أهل الكوفة.
الموقف الصحيح.. كما يقدمه القرآن الكريم
بعد تفكيك مبررات السكوت والخوف، يطرح السيد سؤالاً مركزياً: "ما هو الموقف الصحيح ؟".
ثم يجيب بصورة مباشرة: "هو الموقف الذي وجه إليه القرآن".
ويستشهد بقوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ }.
ثم يؤكد: "أليس هذا هو الموقف القرآني ؟ يخاطب الجميع، زعماءً وشعوباً، حكومات وشعوباً ، كل من يحمل اسم الإسلام".
ويعود إلى السؤال الجوهري: "إن هذا هو الموقف، لكن ما الذي جعلهم يتخذون مواقف أخرى ؟ مرض".
ويعدد صور هذا المرض: "وليكن ذلك المرض العشق للمنصب، الحرص على المصلحة الخاصة، أو يكون جبناً، أو يكون ما كان».
ثم يقول: "هذه النوعية التي نراها ماثلة أمامنا على طول وعرض البلاد الإسلامية لما كانوا من هذا النوع الذي لم يتلق
درساً من علي (عليه السلام) الذي كان قدوة يمكن أن يُحتذي به من يصل إلى السلطة، قدوة للآباء في التربية، قدوة للسلاطين في الحكم، قدوة للدعاة في الدعوة، قدوة للمعلمين في التعليم، قدوة للمجاهدين في ميادين القتال، قدوة لكل ما يمكن أن يستلهمه الإنسان من خير ومجد وعز. أولئك الذين لم يعيشوا هذه الروحية التي عاشها الإمام علي (عليه السلام) في اليوم الأول من خلافته، فأرى الجميع أن خلافته عنده لا تساوي شراك نعله إذا لم يقم حقاً ويمت باطلاً. ما قيمتها إذاً! ما قيمة دولة تحكم باسم الإسلام، ويتربع زعيمها على رقاب المسلمين، وعلى عرش البلد الإسلامي، ثم لا يكون همه أن يحيي الحق ويميت الباطل؟. لا قيمة لها، ليس فقط لا قيمة لها، بل ستتحول قيمتها إلى شيء آخر، ستتحول الأمور إلى أن يكون قيمتها هو الدين، إلى أن يكون قيمتها هو الأمة. عندما نسمع - أيها الإخوة - زعماء العرب، زعماء المسلمين كلهم يسرعون إلى المواقفة على أن تكون أمريكا حليفة، على أن تكون أمريكا هي من يتزعم الحلف لمحاربة ما يسمى بالإرهاب، وعندما نراهم جميعاً يعلنون وقوفهم مع أمريكا في مكافحة ما يسمونه بالإرهاب؛ لأنهم جميعاً يعشقون السلطة؛ لأنهم جميعاً يحرصون على البقاء في مناصبهم مهما كان الثمن".
وبذلك تصبح كربلاء مدرسة لاكتشاف المسافة بين الموقف القرآنّي، وبين المواقف التي تصنعها الحسابات الضيقة والمخاوف البشرية.
"إن وراء القرآن من نزل القرآن" .. الرؤية القرآنية للقوة والضعف
يعد هذا من أهم المباحث الفكرية في المحاضرة، لأنه يكشف الأساس الذي ينطلق منه السيد في إعادة تشكيل وعي الأمة تجاه القوى المهيمنة.
فبعد حديثه عن أمريكا وإسرائيل بوصفهما "العصا الغليظة"، يقول: "أما نحن فإن فهمنا هو فهم القرآن".
ويستشهد بقوله تعالى: } لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ {
ثم يتساءل: "هل هذه عصا غليظة، أم أن هذه قشة؟".
ويجيب: "هذه في الواقع قشة، وليست عصاً غليظة".
ثم تأتي العبارة التي تمثل المرتكز الفكري للمحاضرة: "إن رؤية القرآن، إن وراء القرآن من نزّل القرآن، القوي
العزيز القادر القاهر، هو الذي يريد أن يجعل أولياءه ينظرون إلى أولئك الذين تسمونهم عصاً غليظة أنهم ضعفاء".
ويستشهد بعد ذلك بقوله تعالى: { فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } ، { إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }
لذلك يرى أن مبررهم بـ "خوفاً من العصا الغليظة، العبارة الجديدة التي سمعناها من البعض: الخوف من العصا الغليظة! ليست ما يجب الخوف منه لأن أي عصا ليست أغلظ من عصا الله وهو يأتي بمفهوم الاستعارة المجازية فيقول: "وأي عصا أغلظ من عصا الله، من جهنم، ومن الخزي في الدنيا؟ هل هناك أغلظ من هذه عصا؟"
وهنا يبلغ التحليل ذروته؛ إذ لا يناقش السيد ميزان القوى بمنطق الحسابات السياسية المجردة، وإنما يعيد بناء الوعي من داخل الرؤية القرآنية نفسها، بحيث يصبح الخوف من القوى المهيمنة دليلاً على اختلال زاوية النظر، لا مجرد تقدير سياسي مختلف.
من التنفيس عن الغضب إلى صناعة الأمة.. نقد الاحتجاج غير المنتج وبناء الفاعلية الحضارية
يؤكد السيد أن المظاهرات والتعبير عن السخط لا تمثل غاية في ذاتها، وإنما ينبغي أن تتحول إلى وسائل لبناء الأمة وتأهيلها.
فيقول: "المظاهرة جيدة، والمظاهرة نفسها تترك أثراً أمام اليهود، وأمام النصارى: أن هؤلاء يغضبون، لكنهم سيكونون هم من يأمنون من غضبنا متى ما وجدوا أن غضب هذه الأمة لا يصب في قناة تحتويه فتحوله إلى صخرة تدك عروشهم".
ثم يضيف: "يجب أن تستغل المظاهرات، يجب أن تستغل الخطب، يجب أن يستغل شعار: [الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل[ وغيره من كل الهتافات التي تنمي السخط في نفس الأمة لبناء الأمة".
ويحدد بعض معالم هذا البناء بقوله: "ليس هناك من يبني اقتصادنا بناءً صحيحاً حتى نرى أنفسنا نستطيع أن تنهمل حصاراً يفرض علينا... وإذا كنا لا نرى أنفسنا تُفتح مراكز للتدريب ليتدرب الشباب جميعاً على الأسلحة".
ويرى أن المشكلة ليست في غياب الغضب، بل في غياب القنوات التي تحول هذا الغضب إلى مشروع نهضوي قادر على التأثير في الواقع.
ويقول: "هناك فرّغ سخطك، هناك فرغ غضبك، اخرج اهتف في الشارع ضد إسرائيل، تضامن مع الشعب الفلسطيني، ثم عد إلى بيتك وترى الوضع نفس الوضع، وترى مواقف الزعماء هي نفس المواقف، وترى أن الثقافة هي الثقافة، والإعلام هو الإعلام، وأمريكا هي أمريكا وإسرائيل هي إسرائيل".
ومن هنا يعود الدرس إلى كربلاء مرة أخرى؛ إذ إن التفريط لم يكن ناشئاً عن انعدام المشاعر، وإنما عن العجز عن تحويل القناعة إلى موقف، والوعي إلى فعل والسخط إلى قدرة على النصرة قبل أن يأتي الندم بعد فوات الأوان.
الخاتمة
كربلاء مشروع وعي لا مناسبة حزن فقط
تكشف هذه المباحث المتتابعة أن كربلاء، في قراءة السيد حسين بدر الدين الحوثي، ليست حدثاً تاريخياً مغلقاً، بل نموذجاً تفسيرياً لفهم حركة المجتمعات، وسنن السقوط والنهوض في حياة الأمم. فالتفريط، وتأجيل الموقف، وانتظار وقوع الكارثة، والخوف من تبعات المواجهة، وتعطيل الدروس المستفادة من القرآن والتاريخ؛ كلها عوامل يعاد إنتاجها في كل عصر، وتؤدي - بأشكال مختلفة - إلى تكرار النتائج نفسها وإن اختلفت الأسماء والوقائع.
تقدم قراءة شهيد القرآن لكربلاء مشروعاً متكاملاً لفهم حركة التاريخ، يقوم على أن المآسي الكبرى لا تصنعها لحظة السقوط، وإنما تصنعها مراحل طويلة من التفريط، وإهمال الإنذارات، وتعطيل ما يسمعه الإنسان من الحق.
وتكشف المحاضرة أن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن امتلاك الشجاعة وحده لا يكفي، وأن الندم إذا جاء بعد ضياع الفرصة لا يغير مجرى التاريخ، مهما كان صادقاً وعميقاً. كما تؤكد أن الخوف من القوى المهيمنة ليس قدراً مفروضاً، بل هو - في الرؤية القرآنية - خلل في زاوية النظر، وضعف في استحضار حقيقة القوة الإلهية الكامنة وراء القرآن.
وبذلك تصبح كربلاء، في قراءة السيد حسين بدر الدين الحوثي، ليست حادثة انقضت ولا مناسبة موسمية للحزن، بل مدرسة مفتوحة للأمة في كل عصر، تعلمها أن التفريط مكلف وان آثاره حتمية ونتائجه واقع لابد منه، وأن الحكمة ليست في الجمود والسكوت، وإنما في العودة إلى القرآن والتاريخ لاستخلاص الموقف الصحيح قبل أن يتحول الوعي إلى حالة تجمد أو لا
إيبالية، والموقف إلى ندم، والتاريخ إلى مأساة تتكرر بأسماء مختلفة وأزمنة متعاقبة.
ومن هنا يلفت النظر إلى خطورة الاقتصار على المواقف الرمزية إذا لم تندمج ضمن رؤية استراتيجية لتكوين مجتمع قادر على تحمل تبعات مواقفه، لأن الغضب المعزول عن البناء سرعان ما يتحول إلى تنفيس نفسي مؤقت، لا يغير في موازين الواقع شيئاً.
وبذلك تصبح كربلاء، في هذه القراءة، معياراً لقياس صدقية المواقف؛ فالمشكلة ليست في إعلان الولاء للحق، وإنما في الاستعداد لدفع استحقاقات هذا الولاء عندما تقتضي الظروف ذلك.
وبذلك نفهم أهمية ما يدعونا إليه السيد القائد عبدالملك بدر الدين في خطاباته ودروسه وتوجيهاته وفي بناء المجتمع من التعبئة والمبادرات المجتمعية والجانب الزراعي والاقتصادي، إضافة إلى مواصلة الإعداد والاستمرار في متابعة التفوق الصناعي العسكري لمواجهة الهيمنة الاستكبارية وغيرها.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله.
* عضو المجلس السياسي الاعلى

