السباسية || بقلم: محمد علي الحوثي*

في إحدى محاضراته ضمن برنامج إحياء ذكرى عاشوراء، يقدم شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي قراءة مغايرة لواقعة كربلاء، لا بوصفها حدثاً تاريخياً منقطعاً عن الحاضر، ولا مجرد مأساة تُستعاد لإثارة الأحزان، وإنما باعتبارها نموذجاً كاشفاً لسنن التفريط في الوعي وآثاره في صناعة التحولات والمآسي التاريخية، ودعوةً متجددة للعودة إلى القرآن الكريم والتاريخ من أجل بناء البصيرة واستلهام العبر قبل فوات الأوان.

إن المتأمل في معالجة السيد لواقعة كربلاء يلحظ أنه لا يتوقف عند توصيف الجريمة التي ارتُكبت بحق الإمام الحسين (عليه السلام)، بقدر ما ينفذ إلى البحث عن جذورها الأولى، محاولاً الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية: كيف استطاع مجتمع عاش الإمام علي (عليه السلام) بين أفراده سنين طويلة يعلمهم، ويعظهم، ويرشدهم، أن يتحول إلى مجتمع يحاصر الحسين، ويوجه إليه النبال؟
يجيب السيد عن هذا السؤال بإيجاز عميق يكشف عن جوهر المشكلة، فيقول: «التفريط هو الذي جعل أهل العراق قبل أهل الشام يصلون إلى كربلاء فيحاصرون الحسين (عليه السلام) وأهل بيته، وجعلهم قبل أهل الشام يوجهون النبال إلى صدره، وهم من عاش بينهم علي (عليه السلام) سنين يحدثهم ويعظهم ويرشدهم». فالمأساة في نظره لم تبدأ يوم العاشر من المحرم، ولم تنشأ لحظة المواجهة العسكرية، وإنما بدأت يوم وقع التفريط في الهداية، ويوم لم يُمنح الوعي حقه من الاهتمام والمتابعة والاستجابة. ولهذا كان يقول شهيد القرآن (ليس التفريط عند وقوع الحدث انما التفريط من يومه الاول عندما تسمع التوجيهات ثم لا تلقي لها بالا )
ومن هنا يؤسس السيد لقاعدة هامه في حركة المجتمعات، بقوله: «هم فرطوا، وعندما يفرط الإنسان فيما يسمع ستأتي البدائل المغلوطة، إما أن يتلقاها من أمثاله ممن يفهمون الأمور فهماً مغلوطاً، ممن لا يعرفون عواقب الأمور، أو من جهة نفسه هو فيكون هو من يحلل، ومن يحاول أن يضع لكل قضية حداً معيناً، يظن أنها لا تتجاوزه». إن الإنسان لا يظل في فراغ إذا أعرض عن الهداية، وإنما يملأ هذا الفراغ بتصورات خاطئة، وتقديرات قاصرة، وموازين من صنع نفسه، حتى يصل به الأمر إلى سوء تشخيص الواقع، وسوء تقدير العواقب.

ولذلك يشير السيد إلى أن بعض أهل العراق ربما كانوا يتصورون أن الحسين (عليه السلام) هو المشكلة، وأن التخلص منه سيعيد الاستقرار إلى المجتمع، فيقول: «ربما كانوا يتصورون أن الحسين هو المشكلة.. يمكن أن يُصفى الحسين وتبقى الأجواء طبيعية!». غير أن الأحداث نفسها جاءت لتكذب هذا الوهم، فيتساءل السيد: «بعد أن قُتل الحسين.. هل بقيت الأجواء طبيعية؟ هل استقر وضع أهل العراق؟ أم بدأ العراق يغلي، أم بدأت النكبات والكوارث تتابع على أهل العراق جيلاً بعد جيل؟». إنها قراءة لا تنظر إلى استشهاد الإمام الحسين بوصفه نهاية حدث، بل بوصفه بداية مرحلة طويلة من الاضطرابات والانكسارات التي كانت ثمرة مباشرة للتفريط السابق.

ومن أهم ما يلفت النظر في هذه المعالجة أن السيد يجعل المسؤولية مضاعفة على من قامت عليه الحجة، واستمع إلى صوت الحق، ثم فرط فيه، فيقول: «ما أسوء الإنسان أن يسمع كلمة الحق ثم يرى نفسه في يوم من الأيام يقف في وجه الحق يضربه بسيفه، إنه أسوء من ذلك الذي تربى على الضلال من يومه الأول». فليست المشكلة في الجهل المجرد، وإنما في ضياع البصيرة بعد وضوحها، وفي الانتقال من موقع الاستماع للهداية إلى موقع محاربتها.
ولهذا يرفض السيد أن تتحول كربلاء إلى مجرد حالة وجدانية فقط ، ويؤكد بوضوح: «نحن - أيها الإخوة - عندما نتحدث عن كربلاء لا نتحدث عنها فقط من الجانب العاطفي، الجانب العاطفي مثير لكن قد يجعل القضية تتجمد في عصرها، ويجعلنا نحن لا نستطيع أن نستلهم منها الدروس والعبر». ثم يحدد المنهج الذي ينبغي أن تتعامل به الأمة مع كربلاء، بقوله: «نعرف أيضاً الأسباب التي أدت لمثل تلك؛ لأنها أسباب الناس يعيشونها في كل عصر».

إن هذه العبارة تمثل الفكرة المركزية في الدرس بأكمله؛ فالمطلوب ليس التوجع من النتائج، وإنما العودة إلى مقدماتها، وليس الوقوف عند المأساة، وإنما البحث في الأسباب التي صنعتها، لأن الأمة إذا أعادت إنتاج الأسباب نفسها فإنها ستصل إلى النتائج نفسها، مهما اختلفت الأسماء والأزمنة. ولذلك يؤكد السيد: «سنظل دائماً نئن ونتوجع من الأحداث ولا نهتدي لحل، ولا نعرف من الذي وراء ذلك، إذا لم نعد إلى دراسة أسباب الأشياء من أولها».
ومن أكثر القضايا التي تناولها السيد بالنقد، تلك الروحية التي لا تصدق التحذيرات، ولا تستفيد من السنن، ولا تتفاعل مع الوعي إلا بعد أن تتحول النتائج إلى واقع مفروض، ويربطها بالموقف القرآني لبني إسرائيل، الذين قالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}. ويعلق قائلاً: «هذه الروحية: [لن نصدقك حتى نرى الأحداث ماثلة] هذا هو الغباء، هذا هو الخطأ، هذه هي الأمية الحقيقية، هذه هي الجهالة».

ويؤكد أن الأمة اليوم ليست معذورة في أن تعيش هذه الروحية، لأنها تمتلك «رصيداً هائلاً من الأحداث»، وأمامها كربلاء، ويوم الحرة، وضرب الكعبة، واستشهاد زيد عليه السلام ، وغيرها من المحطات التي أصبحت شواهد حية على عواقب التفريط، والسكوت، واللامبالاة. ومن هنا يرى السيد أن الحكمة ليست في الجمود، ولا في التسليم للمبررات الواهية، ولا في انتظار الكوارث حتى تقع، وإنما «أن تعود إلى التاريخ، وتعود إلى القرآن، وتأخذ العبر والدروس من خلال تلك الأحداث، وتأخذ المقاييس الثابتة والوعي والبصيرة من خلال القرآن الكريم».

إن كربلاء، في رؤية شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي، ليست مناسبة للبكاء فقط، وإن كان الحزن على الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته موقفاً إنسانياً وإيمانياً عظيماً، لكنها قبل ذلك وبعده مدرسة للوعي، ومشروع لفهم السنن، وإنذار دائم للأمة من أن تقع في الحالة نفسها التي وقعت فيها الأمم السابقة؛ حالة التفريط بعد قيام الحجة، وحالة الانتظار حتى تصبح المآسي ماثلة أمام الأعين. إن استلهام كربلاء الحقيقي هو أن نقرأ أسبابها، ونفتش عنها في واقعنا، ونعالجها قبل أن تُعيد إنتاج المأساة في صورة جديدة، وفي عصر جديد.
التفريط بعد قيام الحجة.. المسؤولية المضاعفة في فكر شهيد القرآن

من الأفكار العميقة التي تؤسس لها هذه المحاضرة أن المشكلة لم تكن في أن أهل العراق كانوا يجهلون الحق، بل في أنهم عرفوه ثم فرطوا فيه، وسمعوا صوت الهداية ثم لم يستجيبوا له في الوقت المناسب. ولهذا يميز السيد حسين بدر الدين الحوثي بين من نشأ على الضلال ولم تتوفر له أسباب المعرفة الكافية، وبين من قامت عليه الحجة، وسمع كلمة الحق، ثم وجد نفسه بعد ذلك في صف الباطل.
يقول السيد:
«ما أسوء الإنسان أن يسمع كلمة الحق ثم يرى نفسه في يوم من الأيام يقف في وجه الحق يضربه بسيفه، إنه أسوء من ذلك الذي تربى على الضلال من يومه الأول».
إن هذه العبارة لا تحمل مجرد إدانة أخلاقية لموقف تاريخي، وإنما تؤسس لمعيار في المسؤولية؛ فكلما اتسعت دائرة المعرفة، ووضحت معالم الحق، وتعززت الحجج أمام الإنسان، أصبحت تبعات التفريط أكبر، وأشد خطورة. ولذلك لا ينظر السيد إلى أهل العراق بوصفهم مجتمعاً جاهلاً فحسب، وإنما بوصفهم مجتمعاً امتلك فرصة تاريخية استثنائية للاهتداء، إذ عاش بينهم الإمام علي (عليه السلام)، وانصبت «معارفه وتوجيهاته وحكمته» على مسامعهم، لكنهم فرطوا، فكانت عواقبهم ــ كما يقول ــ «أسوء من عواقب أهل الشام أنفسهم».
ومن هنا لا يعود السؤال: هل عرف الناس الحق؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا صنعوا بما عرفوه؟ وهل تحولت المعرفة إلى موقف ومسؤولية، أم بقيت مجرد معلومات لا تملك القدرة على التأثير في الواقع؟ فقيام الحجة لا يعني مجرد وصول الخطاب إلى الإنسان، وإنما يعني أن يصبح مطالباً بالاستجابة له، وإلا فإن التفريط بعد المعرفة قد يقود صاحبه إلى أن يجد نفسه ــ من حيث لا يشعر ــ جزءاً من معسكر الباطل.
ولهذا يحذر السيد من أن الإنسان قد يكون اليوم مستمعاً للحق، ثم يصبح غداً في مواجهة الحق نفسه، لا لأنه اختار الضلال ابتداءً، وإنما لأنه استهان بالإنذارات الأولى، وأجّل موقفه، وأعطى التفريط مساحةً كي يعيد تشكيل وعيه ومواقفه.

كربلاء والسنن التاريخية.. المأساة بوصفها قانوناً متكرراً
لا تقف قراءة شهيد القرآن عند حدود استحضار الماضي، بل تنطلق من رؤية سننية للتاريخ، ترى أن الأحداث الكبرى لا تتكرر بأشخاصها، وإنما تتكرر بأسبابها وشروطها النفسية والاجتماعية. ولذلك يصرح السيد بوضوح:
«الأسباب نفسها التي هيأت الظروف لأن يسقط بين أيديها مثل علي والحسن والحسين وزيد ومحمد بن عبد الله النفس الزكية وغيرهم من عظماء أهل البيت، الحالة نفسها واحدة».
إن هذه العبارة تمثل مفتاحاً أساسياً لفهم منهجه في قراءة كربلاء؛ فهو لا يتعامل معها بوصفها مأساة منقطعة عن الحاضر، بل بوصفها نموذجاً يكشف القوانين التي تحكم حركة المجتمعات. فحين تتكرر حالة اللامبالاة، ويضعف الإحساس بالمسؤولية، ويتأخر الوعي عن زمنه، وتُهمل التحذيرات، فإن النتائج نفسها تصبح قابلة للتكرار، وإن اختلفت الأسماء والعناوين.
ومن هنا تأتي دعوته المتكررة إلى:
«دراسة أسباب الأشياء من أولها».
فالأمم ــ في نظره ــ لا تُهزم لحظة سقوطها، وإنما تُهزم يوم تتهاون مع مقدمات السقوط، وتتعامل مع المؤشرات الأولى للأزمة باعتبارها أموراً عابرة لا تستحق الانتباه. ولذلك يؤكد أن الأمة ستظل:
«تئن وتصرخ ولا ترى مخرجاً، ولا تعرف حلاً، إذا لم تعد إلى دراسة الأسباب الأولى للأحداث».
ويصل السيد بهذه الرؤية إلى نقد العقلية التي تنتظر وقوع الكوارث حتى تصدق التحذيرات، فيصفها بأنها امتداد لحالة بني إسرائيل الذين قالوا:
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾.
ولهذا يرى أن كربلاء ليست مجرد ذكرى للبكاء، بل شاهد تاريخي حيّ، و«مثل على كل ما نحدثك عنه»، وأن الأمة التي تمتلك بين يديها أكثر من أربعة عشر قرناً من التجارب والمآسي، ثم تطلب بعد ذلك «موديلاً جديداً من الأحداث» كي تقتنع، إنما تعيد إنتاج المشكلة نفسها التي صنعت المأساة الأولى.

السنن التاريخية في قراءة كربلاء.. من الحدث الجزئي إلى القانون الحضاري
من أبرز ما يميز قراءة السيد حسين بدر الدين الحوثي لواقعة كربلاء أنه لا يتعامل معها بوصفها حادثة منفصلة عن حركة التاريخ، وإنما يقرأها ضمن منظومة السنن الإلهية التي تحكم صعود الأمم وانحدارها، وانتصار الحق أو غلبة الباطل في مراحل معينة من التاريخ.
ولهذا نجده يرفض أن تبقى كربلاء حدثاً مؤرخاً في سنة (61هـ)، أو مأساةً تستعاد تفاصيلها على مستوى الوجدان فحسب، بل يحاول الكشف عن القوانين التي أنتجتها، باعتبار أن السنن إذا تشابهت أعادت إنتاج النتائج نفسها، مهما اختلفت الأسماء والأزمنة.
ويقول في هذا السياق:
«الأسباب نفسها التي هيأت الظروف لأن يسقط بين أيديها مثل علي والحسن والحسين وزيد ومحمد بن عبد الله النفس الزكية وغيرهم من عظماء أهل البيت، الحالة نفسها واحدة».
هذه العبارة تمثل مفتاحاً منهجياً مهماً في قراءة السيد؛ إذ تنقل البحث من دائرة الأشخاص إلى دائرة الأسباب، ومن سرد الوقائع إلى اكتشاف القوانين الحاكمة لها.
فالمشكلة في نظره ليست مرتبطة بشخصية يزيد وحدها، ولا بخصوصية المجتمع الكوفي وحده، وإنما بحالة اجتماعية ونفسية تتكرر كلما توفر المناخ نفسه الذي يسمح للتفريط أن يتحول إلى ثقافة، وللتردد أن يصبح سلوكاً عاماً، وللحق أن يبقى معلوماً دون أن يتحول إلى موقف.
ومن هنا تتجاوز كربلاء حدود كونها حدثاً تاريخياً لتصبح نموذجاً تفسيرياً يمكن أن تُقرأ من خلاله أزمات الأمة في مختلف مراحلها؛ إذ لا تختلف نتائج السنن عن مقدماتها، ولا تتبدل قوانين الاجتماع الإنساني بتبدل العصور.
ولعل هذا ما يفسر إصرار السيد على العودة إلى دراسة «الأسباب الأولى للأحداث»، لأن الاقتصار على إدانة النتائج دون تفكيك مقدماتها يجعل الأمة تعيش حالة من التوجع الدائم دون أن تمتلك القدرة على تجاوز أسباب الانكسار.
ويقول:
«سنظل دائماً نئن ونتوجع من الأحداث ولا نهتدي لحل، ولا نعرف من الذي وراء ذلك، إذا لم نعد إلى دراسة أسباب الأشياء من أولها».
إن هذه الرؤية تجعل من التاريخ مدرسة لا مستودعاً للذكريات، وتجعل من كربلاء مختبراً لفهم حركة الأمم، لا مجرد مناسبة لاستعادة المآسي.

القرآن الكريم بوصفه المرجعية العليا في صناعة الوعي التاريخي والسياسي
إذا كان التفريط هو السبب الرئيس في صناعة المأساة، وإذا كانت السنن التاريخية تكشف إمكانية تكرارها، فإن السؤال الذي تطرحه المحاضرة هو: ما المرجعية التي تمنع الأمة من إعادة إنتاج أخطائها؟
يجيب السيد حسين بدر الدين الحوثي بأن المرجعية الحاكمة التي ينبغي أن يعود إليها المسلمون في قراءة الأحداث وتحديد المواقف هي القرآن الكريم.
ولا يتحدث عن القرآن بوصفه كتاب تلاوة وبركة فحسب، وإنما باعتباره مصدراً لصناعة الوعي، وأداة لفهم الواقع، وميزاناً تقاس به الاتجاهات والمواقف.
ويقول:
«أوليس القرآن الكريم حياً بين أظهرنا؟ أولسنا نقرأه؟ أولسنا نحاول أن نعرض الأحداث على القرآن الكريم لنستلهم من خلال القرآن ما هو الموقف المطلوب منا؟ بل لنحصل من خلال القرآن على وعي وبصيرة نفهم من خلالها ما يدور حولنا؟».
تكشف هذه العبارات عن تصور قرآني للوعي السياسي والتاريخي، يقوم على أن القرآن ليس كتاباً معزولاً عن الحياة، وإنما كتاب هداية في تشخيص الواقع واستشراف المآلات.
ولهذا يستشهد السيد بالحديث الشريف:
«فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم».
فالقرآن ـ وفق هذه الرؤية ـ لا يقدم أخبار الأمم السابقة لمجرد السرد، وإنما يعرض نماذج بشرية تتكرر، وأمراضاً اجتماعية تعود بأشكال مختلفة، ومواقف يمكن أن تستعاد كلما تشابهت الظروف.
ومن هنا كانت مشكلة الأمة ـ في تقديره ـ ليست في غياب النص القرآني، وإنما في تعطيل وظيفته المعرفية، وتحويله إلى نص يُقرأ دون أن يُستخرج منه الموقف.
ولهذا يؤكد:
«إن الحكمة أن تعود إلى التاريخ، وتعود إلى القرآن، وتأخذ العبر والدروس من خلال تلك الأحداث، وتأخذ المقاييس الثابتة والوعي والبصيرة من خلال القرآن الكريم».
وبذلك تصبح الحكمة ـ في المنظور الذي تطرحه المحاضرة ـ ليست حالة من الحذر السلبي، ولا سياسة انتظار، ولا منهج تأجيل للمواقف، وإنما قدرة على استثمار القرآن والتاريخ معاً لبناء موقف واعٍ قبل أن تتحول الأخطاء الصغيرة إلى مآسٍ كبرى.

خاتمة عامة للدراسة
تخلص هذه الدراسة إلى أن قراءة شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي لكربلاء تمثل مشروعاً فكرياً متكاملاً لإعادة بناء الوعي الإسلامي بالتاريخ، يقوم على أربعة مرتكزات أساسية: تشخيص التفريط باعتباره المدخل الأول للمأساة، وإدراك السنن التاريخية التي تجعل الأحداث قابلة للتكرار، والتحذير من الوعي المتأخر الذي لا ينتج إلا الندم، والعودة إلى القرآن الكريم بوصفه المرجعية العليا في فهم الواقع وصناعة الموقف.
ومن ثم، فإن كربلاء في هذه القراءة ليست حدثاً منتهياً في الزمن، ولا مناسبة وجدانية محضة، بل هي مدرسة دائمة لاختبار قدرة الأمة على التعلم من تاريخها، واكتشاف الأسباب قبل وقوع النتائج، والتحرك في الوقت المناسب قبل أن يتحول الوعي إلى حسرة، والموقف إلى مرثية، والندم إلى شعور لا يملك إعادة ما فات.
وبهذا يجب العودة الى دروس شهيد القران وقراءاتها بعمق للوصول الى قاعدة صلبة وتحرك واعي تنطلق الامة الى مواجهة الطغاة والمستكبرين بروح وثابه وتحرك واعي وعملي لا يعيقه اي ظرف ويستلهم من كل حدث وقوده للتحرك نحو الخلاص من الظلم والوصول للعدالة المنشودة تحت قيادة واحدة وفي اطار امه واحدة وتوجه واحد هذا هو المسار الصحيح الذي يجب علينا السير من خلاله والعبور الى الحياة به وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى اله

بتاريخ ٨ محرم ١٤٤٨ه
الموافق ٢٣ يونيو ٢٠٢٦م

* عضو المجلس السياسي الاعلى