من صراع قريش إلى مأساة التاريخ الإسلامي
السياسية || محمد محسن الجوهري*
إنّ سُنة الاستبدال في الميزان الإلهي لا تنفكّ عن جوهرٍ حكيم؛ فالله جلّ وعلا، إذا أعرض قومٌ عن نصرة الحق، قادرٌ على أن يبدلهم بمن هم أحقُّ بالرسالة وأصدق في إتباعها. وهذه الحقيقة القرآنية تجلت بوضوح في محطة الصراع التاريخي بين قريش والرسول الكريم ﷺ؛ إذ نظرت قريشٌ إلى الدعوة بعين "السياسة والمُلك"، متوهمةً أن بني هاشم لا يسعون إلا لانتزاع السيادة على مكة والجزيرة العربية تحت غطاء ديني. وللأسف، ظلت هذه النظرة القاصرة هي المحرك الخفيّ للكافرين والمنافقين في كل عصر، حيث يُحكّم المنطق الدنيوي في القضايا الغيبية.
وبفعل هذا العداء المسبق، تجرّعت القلة المؤمنة في مكة صنوف الظلم والاضطهاد على يد صناديد قريش. ولو أن قريشاً أدركت حقيقة النبوة، لكان الإيمان بها هو الفخر الأعلى والشرف الذي لا يُضاهى، لكنّ التعصب أعمى بصيرتهم، فكان كفرهم وقمعهم للأنصار سبباً في الهجرة النبوية إلى يثرب؛ حيث احتضن الأنصارُ (الأوس والخزرج) الدعوة بقلوبهم، فاستحقوا وسام "أنصار الله ورسوله"، وخلدهم القرآن في قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾، وأكد النبي ﷺ شأنهم حين قال: "لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا، لسلكت وادي الأنصار".
أما ما يتردد من دعاوى حول "فضل قريش" لم يكن في كثير من سياقاته التاريخية إلا غطاءً أيديولوجياً لضرب جوهر الدين ومحاربة الرسول وآله. وقد بلغ هذا النهج ذروته في العهد الأموي، حيث وظّف معاوية وذريته نفوذهم للانتقام من الأنصار وآل بيت النبي؛ رداً على ما جرى يوم بدر، وتصفيةً لحسابات الجاهلية التي لم تغادر نفوسهم. لقد كان هؤلاء صرحاء في عدائهم لنهج الوحي، وكانوا الامتداد الطبيعي لذاك التيار القرشي الذي لم يرَ في محمدٍ ﷺ إلا زعيماً سياسياً يتنافسون معه على كرسي الحُكم.
لقد شكّلت "سقيفة بني ساعدة" المنعطف الأخطر في مسار التاريخ الإسلامي، والصدع الذي غيّر وجهة المشروع النبوي؛ إذ كانت النقطة التي شُقّت فيها الطريق للانقلاب على الميثاق الغديري والوصية النبوية الجامعة. وقد أدى ذلك التجاوز إلى تحويل موازين القوى داخل الأمة، فتم إقصاء آل بيت النبوة عن موقعهم القيادي، لتبدأ من بعدها سلسلة من الفواجع التي استهدفتهم بالقتل والتنكيل، في محاولةٍ ممنهجة لاجتثاث الامتداد الطاهر للرسالة.
إنّ الخيط الناظم لهذا التاريخ المأساوي يكمن في التقاء طائفتين: طائفةٍ من منافقي يثرب، وطائفةٍ من قريش التي رأت في تهميش الأنصار وإذلالهم ضرورةً لتثبيت موازين القوى. والجامع بين هاتين الفئتين أنهما جردتا الرسول ﷺ من صبغته النبوية الربانية، وتعاملتا معه بمنطق "المشروع السياسي"؛ فإذا كان هو قد نال المُلك بالدين، فمن حق "الآخرين" أن ينتزعوه منه ومن أهل بيته ومن أنصارهم المخلصين.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

