السياسية: نضال عليان



مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، يخيّم الركود والشلل التام على أسواق الماشية في قطاع غزة، والتي كانت في مثل هذه الأيام من كل عام، قبل حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة والتي بدأت في أكتوبر 2023، تضج بالحركة وتجارة الأضاحي.

هذا العام، يحلّ العيد وسط أزمة شُحّ غير مسبوقة في الثروة الحيوانية، حوّلت طقوس العيد وشعائره إلى أمنيات بعيدة المنال لغالبية سكان القطاع، في ظل تدمير البنية التحتية الزراعية والقيود الصارمة على الإمدادات.

أسواق خاوية وأسعار فلكية

الندرة الشديدة في المعروض دفعت بأسعار المواشي إلى مستويات قياسية لم يشهدها قطاع غزة من قبل، ما جعل شراء أضحية يفوق القدرة المالية حتى لطبقة الميسورين.

وفي متابعة ميدانية لهذا الواقع الصعب، صرّح علاء البيوك، صاحب مزرعة عجول "الأرض الطيبة" في مدينة خانيونس، لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بأن أسواق قطاع غزة تواجه أزمة نقص حاد جداً في توفر الأضاحي، مؤكداً أن المتوفر حالياً يقتصر على كميات شحيحة من الخراف والكباش.

وقال البيوك إن هذا الانعدام في الخيارات أدى إلى قفزة جنونية في الأسعار، موضحاً: "يبلغ ثمن الأضحية الواحدة من الخراف من 15,000 إلى 18,000 شيكل (ما يعادل نحو 5,130 إلى 6,160 دولار أمريكي)، وذلك يتراوح بحسب وزن الخروف أو الكبش".

خسائر مركبة

ولفت إلى حجم المعاناة الشاملة التي لحقت بالمزارعين ومربي الماشية، جراء العدوان الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من عامين ونصف، مبيّناً أنها خسائر مركبّة "مادية، وجسدية، ومعنوية".

وأضاف البيوك في تصريحه لـ"سبأ" أن هذه الكارثة الاقتصادية تعود بشكل أساسي إلى تدمير المزارع أولاً، وثانياً إلى انقطاع قنوات الاتصال والروابط التجارية مع التجار لعدم القدرة على التواصل معهم.

انهيار كامل لمنظومة الإنتاج الحيواني

هذا الواقع الميداني الصادم الذي يواجهه المزارع والتاجر في خانيونس وقطاع غزة، أكدته الجهات الرسمية، مبيّنةً الجذور البنيوية للأزمة.

وفي هذا السياق، أوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراعة الفلسطينية في قطاع غزة، رأفت عسلية، أن انعدام الأضاحي في قطاع غزة للعام الثالث على التوالي أدى إلى تدهور غير مسبوق في قطاع الثروة الحيوانية.

وأشار إلى أن آلاف المربين فقدوا مصادر رزقهم نتيجة القصف المباشر للحظائر والمزارع، ونفوق أعداد كبيرة من المواشي، إضافة إلى منع إدخال المواشي والأعلاف عبر المعابر منذ بداية العدوان على القطاع، لافتاً إلى أن انعدام المراعي وارتفاع أسعار الأعلاف تسببا في تقلص أعداد القطعان بشكل كبير.

وأضاف عسلية أن تدمير البنية التحتية الزراعية، ونقص المياه والكهرباء، وتحويل مساحات واسعة من الأراضي والحظائر إلى مناطق مدمرة أو مراكز نزوح، ساهم مباشرة في انهيار منظومة الإنتاج الحيواني بالكامل، بحيث أصبح المزارعون والمربون يواجهون صعوبة بالغة حتى في الحفاظ على ما تبقى من مواشيهم.

غياب البهجة

ورغم فداحة الأرقام والخسائر المادية، يجمع المستويان الشعبي والرسمي على أن غياب الطقوس الدينية والاجتماعية المعتادة يشكل ضربة للنسيج المجتمعي في غزة، حيث أكد صاحب مزرعة "الأرض الطيبة"، علاء البيوك، بنبرة مؤثرة تعكس واقع الحال قائلًا: "مزارعنا راحت وكل شيء راح.. والحمد لله الخسارة المعنوية هي أكثر حاجة"، مستدركاً بالدعاء: "نسأل الله أن تعود لنا أفضل وأجمل الأيام، لنعظم شعائر الله تعالى، وتعود لنا فرحة الأطفال والذبح كما كانت في السابق".

من جانبه، لفت المتحدث باسم وزارة الزراعة، إلى الأبعاد الاجتماعية الحادة لهذه الأزمة قائلاً إن غياب الأضاحي للعام الثالث على التوالي ينعكس بصورة قاسية على العائلات في غزة؛ إذ حُرمت آلاف الأسر من أداء شعيرة دينية ارتبطت تاريخياً بمعاني التكافل والفرح وصلة الرحم.

وتحول عيد الأضحى لدى كثير من العائلات من مناسبة للبهجة والاجتماع إلى موسم يطغى عليه الشعور بالعجز والحزن، خاصة مع عدم قدرة الأهالي على شراء الأضاحي أو توفير اللحوم لأطفالهم في ظل المجاعة وارتفاع الأسعار.

ونبّه عسلية في ختام حديثه لـ"سبأ" إلى أن غياب الأضاحي أدى إلى تراجع أحد مظاهر التكافل الاجتماعي التي كانت ترافق العيد، مثل توزيع اللحوم على الفقراء والأقارب.

وأواخر العام الماضي، كشف المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة ، عن أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، دمر 665 مزرعة أبقار وأغنام ودواجن، فيما أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أن غالبية المواشي في القطاع هلكت إما نتيجة القتل المباشر أو النفوق بسبب ظروف الإبادة الجماعية، في سياق الاستهداف المنهجي لمصادر الغذاء والحياة.