جنوب سورية ليس كجنوب لبنان
السياسية || محمد محسن الجوهري*
لم يكن الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان مجرد توغل عسكري عابر، بل كان تجربة مريرة دفعت "إسرائيل" إلى مواجهة مقاومة شرسة حطمت هيبة جيشها الذي لطالما تباهى بتفوقه في المنطقة. منذ اجتياحه للبنان عام 1982، وجد جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه غارقًا في مستنقع العمليات العسكرية التي أنهكته على مدار سنوات، ليكتشف أن السيطرة على الأرض لا تعني التحكم بها. كانت المقاومة اللبنانية، بقيادة حزب الله، عاملاً حاسمًا في قلب الموازين، حيث تعرضت القوات الإسرائيلية لكمائن متكررة، وهجمات صاروخية، وخسائر بشرية فادحة أجبرتها في النهاية على الانسحاب في عام 2000 دون شروط، في أول هزيمة واضحة لـ"إسرائيل" أمام مقاومة عربية منظمة.
على النقيض من ذلك، يبدو الاحتلال الإسرائيلي لجنوب سورية وكأنه مجرد نزهة عسكرية لا تواجه أي تحدٍ حقيقي. منذ بدء الصراع السوري، وجدت "إسرائيل" الفرصة سانحة لتعزيز نفوذها في الجنوب، مستغلة ضعف الدولة السورية وتفكك قواها العسكرية. لم تواجه "إسرائيل" مقاومة تُذكر، بل تمكنت من تنفيذ غارات جوية متكررة واستهداف مواقع عسكرية وأمنية دون أي رد جاد. وعلى الأرض، لم تظهر أي مجموعات مقاومة يمكن أن تشكل تهديدًا حقيقيًا لها، ما جعل تحركاتها تبدو وكأنها تجري في فراغ أمني وعسكري، بعيدًا عن أي خطر حقيقي.
في لبنان، شكلت المقاومة نموذجًا صلبًا للردع، حيث كانت العمليات العسكرية ضد الاحتلال منظمة وفعالة، مدعومة بقدرة تسليحية متطورة وإرادة قتالية صلبة. أما في جنوب سورية، فالوضع مختلف تمامًا، إذ تبدو الدولة السورية عاجزة عن اتخاذ موقف جاد، إما بسبب تفاهمات إقليمية أو بسبب ضعف داخلي حال دون تشكيل أي مقاومة حقيقية. في الوقت الذي دفعت فيه "إسرائيل" ثمنًا باهظًا لاحتلالها جنوب لبنان، فإنها تتحرك بحرية في جنوب سورية، وكأنها في منطقة مفتوحة بلا تكلفة تُذكر.
الفرق بين الحالتين لا يقتصر فقط على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الإرادة السياسية والشعبية. في لبنان كان هناك وعي شعبي رافض للاحتلال، وبيئة حاضنة للمقاومة، مما جعل استمراريتها ممكنة. أما في سورية، فقد أنهكت سنوات الحرب البلاد، وجعلت الأولويات تتجه نحو الصراعات الداخلية، ما خلق واقعًا أتاح لـ"إسرائيل" استغلال الضعف العام لتحقيق أهدافها دون أي خوف من رد فعل جاد.
هذا التباين الحاد بين التجربتين يعكس كيف أن الاحتلال الإسرائيلي يمكن أن يكون كابوسًا مرعبًا في بيئة تمتلك مقاومة فاعلة، بينما يتحول إلى عملية سهلة ومريحة عندما يكون الطرف المقابل مفككًا وضعيفًا. وبينما أجبرت المقاومة في لبنان "إسرائيل" على الانسحاب مهزومة، فإن جنوب سورية يقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا، حيث يبدو الاحتلال وكأنه يسير بلا عوائق، مستفيدًا من غياب أي قوة حقيقية تقف في وجهه.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب