"زوال الطغاة... بين الخوف في حياتهم والنسيان بعد مماتهم"
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تخيل نفسك في الرياض بعد سنوات من هلاك المجرم سلمان وولده العميل، وطلبت من أهلها أن يدلوك على قبريهما لقراءة الفاتحة والتبرك بهما؟!
سيسخر منك الناس ويحتقرونك كثيراً، فمثل هؤلاء لا قيمة لهم بعد رحيلهم، كما لا قيمة لهم في حياتهم إلا بقدر السياط التي يسوقون بها الناس سوق الحمير، ولولا خوف الناس من بطشهم ما أقاموا لهم وزناً، ولذا فإن هلاكهم كان مناسبة سعيدة في حياة أهل الرياض، ومن المستحيل أن يترحموا على سلمان وولده وقد زالت سياطهما وجبروتهما.
المفارقة أن آل سعود يدركون هذه الحقيقة جيداً، ويعلمون أن موتهم هو النهاية في وجدان شعوبهم لذا لا يطالبونهم بأي تعظيم وتبجيل بعد رحيلهم، وهذا أمر غير معتاد من الطغاة، ولذلك يتعامل آل سعود مع كل ملكٍ رحلٍ منهم وكأنه مجرد جثة هامدة ينبغي التخلص منها، فالاحترام في عرفهم لا يكون إلا بالقوة وفي حياة ذلك الطاغية.
وهذه هي سنة عبر الأجيال، فالطغاة لا يُحترمون بعد موتهم لأن هيبتهم قائمة على الخوف لا المحبة، وعندما يزول بطشهم، تتبخر مكانتهم كما يتبخر الخوف من قلوب الناس، ويبقى ذكرهم مجرد عبرة للطغاة الذين يأتون بعدهم.
ولك أن تقارن بين حب الناس في هذا العصر للإمام علي والحسين وبغضهم لمعاوية ويزيد، وكيف كان الأخيرين طغاةً في حياتهم حتى إذا رحلوا سقطت قيمتهم بين الناس، فيما أهل الحق باقون في وجدان كل مؤمن وكل حر في هذا العالم وفي كل مراحله الزمنية، ولذلك عمد الطغاة إلى تحريم زيارتهم حتى لا يتسلهم منها الناس قيم الحرية والعزة، وأملهم أن يكونوا في النسيان سواء، وهو مالم ولن يحدث، والتاريخ يشهد بذلك.
فيزيد، على سبيل المثال، وبعد قتله للإمام الحسين عليه السلام، لم يبق له أي احترام بين الناس، ورغم أنه كان خليفة مزعوماً للمسلمين، إلا أن وفاته لم تكن حدثاً جللاً، بل قوبلت بفرح بين الأمة حيث لم يُشيّد له أي قبر يُزار، ولم يبقَ له أي إرث ديني أو سياسي محترم، بل أصبح اسمه مرتبطًا باللعنات.
وفي العصر العباسي، كان الخليفة المتوكل على الله نموذجاً للطغيان والاستبداد وقمع الأولياء والصالحين، وعندما انتهت فترة حكمه وحكم من سبقوه، تم التعامل مع ذكراهم بعبرات من الازدراء والرفض، حيث رفعت الشعوب صوتها ضد هذه الممارسات، مما يؤكد أن الاحترام لا يُكتسب إلا بالعدل والمحبة وليس بالخوف.
يبقى التاريخ شاهدًا على أن إرث الطغاة لا يصمد أمام الزمن؛ إذ يُبنى على سلطة قمعية لا تترك أثرًا حقيقيًا في وجدان الشعوب. سواء في العصر الأموي أو العباسي، فإن الحكام الذين استمدوا قوتهم من الخوف لم يجدوا بعد رحيلهم إلا نسيانًا وازدراءً، بينما تبقى ذكريات الأحرار والثوار حية في قلوب الشعوب. هذه الشواهد التاريخية تؤكد أن القوة الحقيقية تكمن في العدل والمحبة، وأن العزة لا تُورَث لمن بنوا حكمهم على القهر بل لأولئك الذين سطروا صفحات من الحرية والكرامة.
باختصار، هذا جوابنا على من يستغرب عشقنا لقادتنا من آل البيت بعد رحيلهم واستشهادهم، فهم بنوا مكانتهم في نفوسنا بالحق ونصرة الأمة والوقوف إلى جانبها في وجه المعتدين والطغاة، وأمثال هؤلاء لا يموتون، وقد نهانا الله أن نقول ذلك أو حتى نفكر فيه، فهم عظماء بين الناس وعظماء عند الله، ولنا كل الحق أن نفخر بهم وأن نتقرب إلى الله بزيارتهم والوقوف على قبورهم، ففي ذلك تقرب إلى الله واستلهام لكل المعاني العظيمة التي عاشوا واستشهدوا من أجلها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب