مؤتمر الحوار السوري القادم: بوابة للتقسيم وشرعنة لجرائم التكفيريين
السياسية || محمد محسن الجوهري*
مع اقتراب انعقاد مؤتمر الحوار السوري، تزداد المخاوف من أن يكون هذا المؤتمر محطة جديدة لترسيخ الانقسام في البلاد بدلًا من حلّ الأزمة. فرغم الترويج له كخطوة نحو المصالحة الوطنية، إلا أن المعطيات تشير إلى أنه قد يكون وسيلة لشرعنة قوى متطرفة، وتقنين التقسيم الفعلي لسورية، وربما فتح الباب أمام صراعات جديدة تمتد إلى دول الجوار.
من أبرز المخاطر التي يحملها هذا الحوار هو إمكانية منح شرعية سياسية لقوى تكفيرية مثل "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر على إدلب بقيادة أبو محمد الجولاني. فهذه الجماعات التي طالما كانت منبوذة دوليًا، تسعى إلى إعادة تأهيل نفسها سياسيًا من خلال الحوار، تمامًا كما فعلت بعض الجماعات المتطرفة في دول أخرى. في حال نجحت هذه الخطوة، قد نجد أنفسنا أمام مشهد جديد تتحول فيه الجماعات المسلحة من كيانات غير شرعية إلى جزء من مؤسسات الحكم، ما يمنحها غطاءً قانونيًا ودبلوماسيًا لتحركاتها.
إلى جانب خطر شرعنة هذه القوى، يأتي التهديد الأكبر وهو تكريس التقسيم الفعلي لسورية. اليوم، تنقسم البلاد إلى مناطق نفوذ متعددة، حيث تسيطر الدولة على الجزء الأكبر، بينما تفرض "قوات سورية الديمقراطية" سيطرتها على الشمال الشرقي بدعم أمريكي، وتخضع إدلب والفصائل المسلحة الأخرى للنفوذ التركي. أي حوار يُجرى في ظل هذه الخارطة السياسية قد يؤدي إلى تثبيت هذا الواقع، بدلًا من العمل على إعادة توحيد البلاد. وكما حدث في اليمن، حيث أدى الحوار الوطني إلى تفجير الأوضاع بدلًا من حلها، قد يكون الحوار السوري مقدمة لصراع جديد أكثر تعقيدًا.
الأخطر من ذلك هو احتمال انتقال سورية من ساحة لحروب الوكالة إلى لاعب مباشر في صراعات المنطقة، حيث قد يتم استخدام الغطاء السياسي الجديد لهذه الجماعات لشن عمليات عسكرية تحت مبررات "دعم حقوق الشعوب" أو "الدفاع عن الثورة"، مما قد يخلق أزمات إقليمية تمتد إلى دول الجوار. حينها لن يكون الجولاني وأمثاله مجرد قادة ميليشيات، بل قد يصبحون جزءًا من مؤسسة الحكم، ما يمنحهم صلاحيات أوسع في توجيه الصراعات.
إضافة إلى أن التطبيع والعمالة للكيان الصهيوني ستتم باسم الشعب السوري، وليس باسم الجولاني وشيوخ السلفية، وما نشاهده اليوم في سورية من تبني خطاب الكراهية ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته الشريفة قد يكون ممهداً لما هو أدهى وأمر، وخيانة القضية الفلسطينية باسم حقوق الشعب السوري.
في النهاية، أي حوار سياسي حقيقي يجب أن يكون هدفه استعادة سيادة سورية ووحدتها، لا أن يكون وسيلة لإعادة تأهيل التنظيمات المتطرفة أو فرض حلول خارجية تمهد للتقسيم. إذا لم تكن هناك ضمانات واضحة لاستبعاد القوى التكفيرية ومنع ترسيخ مناطق النفوذ الأجنبية، فإن هذا المؤتمر لن يكون سوى خطوة جديدة نحو تفكيك البلاد، وليس إنقاذها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب