السياسية || محمد محسن الجوهري*

عند المُهمات الجِسام والدواهي العظمى، يختفي عُشاق السلطة واللاهثون خلف الألقاب والشهرة، ويظهر رجال الرجال وحسب، وكأن كل عصرٍ هو عصر محمد بن عبدالله وعلي بن أبي طالب، حيث لا يخلو جيل من محمدٍ وحيدرته. وفي عصرنا كان السيدان نصرالله وصفي الدين شاهدين صادقين على عظمة الاصطفاء الإلهي، فإذا كان هذا نصر الله، فكيف كان آباؤه الأوائل: محمد وعلي والحسن والحسين؟

ما رأيناه من نصرالله يفوق الوصف في التضحية والبذل والجهاد والعظمة والتواضع، فكيف كان سيد الأولين والآخرين، محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم؟ إنه الامتداد الحيّ لنهج النبوة والإمامة، حيث تتجلى معاني الثبات والصبر والإخلاص في رجلٍ حمل همّ الأمة على كتفيه، فلم يَزِدْهُ الحِملُ إلا شموخًا، ولم تَزِدْهُ المحنُ إلا عزيمةً وإصرارًا.
هو نموذجٌ من تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء، رجلٌ لم تَفتِنْه الدنيا ولم تُغرِه المناصب، بل كرّس حياته للحق، كما فعل أسلافه العظام. لم يكن صدى كلماته مجرد حروف، بل كانت نبضات قلوب الأحرار في العالم، وكأن صوت جده عليٍّ في معركة الحق لا يزال يتردّد: "لَا يُحْمَلُ هَذَا الْعَلَمُ إلَّا بِأَهْلِ الْبَصَرِ وَالصَّبْرِ".
وكما قال الإمام الحسين (ع): "إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما"، فإن السيد نصرالله لم يخشَ الموت، ولم يطلب الحياة إلا بعزةٍ وكرامة. كان خطابه استنهاضًا للمقاومين، وكانت مواقفه تجسيدًا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173).
لقد سار على نهج أجداده في تقديم التضحيات، متأسّياً بقول الإمام علي (ع): "الموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين". لم تكن مواقفه إلا امتدادًا لتلك القيم العلوية التي جعلت من العزة منهجًا، ومن المقاومة واجبًا مقدسًا.
في حضوره، تتجسد العظمة بكل معانيها، عظمة الإيمان، عظمة التضحية، وعظمة القيادة. لم يكن السيد نصرالله قائدا عابرًا، بل كان مَعلَمًا من معالم هذا الزمن، مدرسةً متكاملة تُعيد إلى الأذهان سيرة العظماء الذين لم يبالوا بكثرة الأعداء، بل نظروا إلى الحق ومضوا في سبيله. وإن كان هذا نصر الله، فهو عينةٌ مضيئة على عظمة آل محمد، الذين جعلوا من وجودهم في هذه الأرض منارةً يهتدي بها السائرون نحو الكرامة والحرية والعدالة.
وكما قال الإمام الصادق (ع): "كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا"، فقد كان السيد حسن نصرالله زينًا لدينه ومذهبه ونهجه، أيقونةً خالدة تروي للعالم بأسره أن مدرسة محمد وآل محمد ما زالت تنجب العظماء، وما زال صداها يتردد في ساحات العزة والكرامة، حيث لا تزال راية الحق مرفوعة، وكلمة المقاومة باقية ما بقي الليل والنهار.
إن هذا العصر عصر آل البيت لأن الأمة بحاجة ماسة إلى محمدٍ وآل محمد بعد أن تجاوز أعداء الأنبياء كل الحدود في طغيانهم، وتكالب اليهود الصهاينة وأدواتهم على إبادة المسلمين والنيل منهم حتى أذاقوهم السم الزعاف وقتلوا الكبير والصغير والأمة معرضة عن واجبها تجاه أهلها في فلسطين وسائر البلاد الإسلامية المنكوبة، وفي زمنٍ كهذا الزمن، لابد من الرجوع إلى الإسلام الأصيل، إلى القرآن الكريم وورثته الشرفاء من آل محمد عليهم السلام، فهم أمل الأمة وغياثها من العدو، فاليوم لا يختلف كثيراً عن يوم الأحزاب، يوم اختفى الجميع وبرز علي بن أبي طالب قائلا: "أنا له يا رسول الله".

* المقال يعبر عن رأي الكاتب