السياسية || محمد محسن الجوهري*

تتجنب أغلب وسائل الإعلام في عالمنا العربي، الخطاب الديني في الصراع مع العدو الصهيوني، رغم أن الأخير يجاهر بعدائه الديني للعرب والمسلمين، وبأنه يمشي وفق مخطط توراتي لإقامة مروع ديني في المنطقة على حساب قتل وتهجير الملايين من أبنائها، وهنا لابد من إعادة النظر في السياسة الإعلامية للعرب وأن تكون بحجم الخطاب المناهض لها، فلغة الإعلام الحالية ركيكة جدا ولا تعكس أي مشاعر عداء لليهود، وهو ما شجعهم على التمادي في جرائمهم في غزة وغير غزة.
وعلينا أن نتذكر دائماً أن الجندي الإسرائيلي الذي يقتل طفلاً فلسطينياً بدمٍ بارد، ما كان ليقدم على فعلته تلك لولا أنه قد تشبع بالعداء للمسلمين عبر وسائل الإعلام الذي تحرضه على القتل، مستخدمةً لغةً دينية تبيح له ذلك الإجرام، وحتى يبدو منظر القتل مألوفاً بالنسبة إليه، ولهذا كان واجباً على العرب أن يردوا بالمثل، والبداية بالخطاب الإعلامي الذي ينبغي أن يتبنى المصطلحات الجهادية للحد من الإجرام اليهود، وإنقاذ حياة من تبقى من الفلسطينيين والعرب.
الإعلام اليهودي، سواء في "إسرائيل" أو في أوساط الجماعات الداعمة له عالميًا، يستخدم الدين بشكل مكثف في خطابه الإعلامي. تُروَّج الروايات التوراتية حول "أرض الميعاد" و"شعب الله المختار"، ويتم تصوير الصراع مع الفلسطينيين والمسلمين عمومًا على أنه معركة مقدسة تستدعي التضحية والتطهير العرقي. بل إن بعض الساسة الصهاينة يستشهدون بنصوص دينية في تبرير العمليات العسكرية والاستيطانية، مما يعزز القناعة لدى الجمهور اليهودي بأنهم يخوضون حربًا دينية لا مجرد صراع سياسي.
إضافةً إلى ذلك، نجد أن الإعلام العبري يحرض على العنف بشكل مباشر، حيث تنشر وسائل الإعلام مقاطع وخطابات لزعماء دينيين يهود يطالبون بقتل الفلسطينيين، ويبررون ذلك بنصوص دينية تُحرّف لخدمة الأجندة الاستيطانية والتوسعية.
على النقيض، نجد أن الإعلام العربي – خاصة الرسمي – يتجنب إلى حد بعيد استخدام الخطاب الديني في تناوله للقضية الفلسطينية أو الصراعات مع الكيان المؤقت. بدلاً من ذلك، يتم التركيز على اللغة الدبلوماسية والحقوقية، والحديث عن الاحتلال من منظور القوانين الدولية وحقوق الإنسان.
هذه المقاربة، رغم أهميتها في السياقات السياسية، تتجاهل حقيقة أن الجمهور العربي والمسلم بطبيعته مرتبط بالدين، وأن القضية الفلسطينية ليست فقط قضية سياسية، بل هي قضية دينية وعقائدية في وجدان المسلمين. فالقدس ليست مجرد مدينة، بل هي مسرى النبي محمد ﷺ، والمسجد الأقصى ليس مجرد معلم أثري، بل هو ثالث الحرمين الشريفين ومهوى أفئدة المسلمين عبر العصور.
إن غياب الخطاب الديني عن الإعلام العربي في قضاياه المصيرية يُضعف تأثيره على الجمهور ويقلل من قدرته على الحشد والتعبئة. فبينما يستغل الإعلام اليهودي، الدين لتعزيز معنويات جمهوره وإضفاء شرعية على جرائمه، يبقى الإعلام العربي أسيرًا للخطابات الباهتة التي تفصل القضية الفلسطينية عن عمقها العقائدي.
لذلك من الضروري أن يتبنى الإعلام العربي نهجًا جديدًا يعيد الاعتبار للبعد الديني في خطابه الإعلامي، عبر النقاط التالية:
1- تسليط الضوء على البعد الإسلامي للقضية الفلسطينية: تعزيز الرواية الإسلامية حول القدس والأقصى، وإبراز أهمية الجهاد المعنوي والمادي في الدفاع عنهما.
2- مواجهة الخطاب الديني الصهيوني بخطاب ديني مضاد: فضح التحريف الديني في الإعلام اليهودي، وتوضيح الحقائق الدينية حول فلسطين من منظور إسلامي.
3- إشراك العلماء والدعاة في الإعلام: تقديم تحليلات شرعية للصراع، وربط القضية الفلسطينية بالواجبات الدينية للمسلمين.
4- استخدام القرآن والسنة في الخطاب الإعلامي: الاستشهاد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية توضح حقيقة الصراع وتحث على نصرة المظلومين.
لا يمكن فصل الدين عن الإعلام في القضايا المصيرية، خصوصًا في صراع يحمل أبعادًا دينية عميقة مثل القضية الفلسطينية. الإعلام العربي بحاجة إلى تجاوز الخطاب الدبلوماسي الباهت، والانتقال إلى لغة أكثر تأثيرًا تربط القضية الفلسطينية بجوهرها الإسلامي. فهذا ليس مجرد صراع حدود، بل هو صراع عقيدة وهوية، ولا يمكن خوضه بفعالية دون تسخير كل الأدوات المتاحة، وعلى رأسها الإعلام القوي المدعوم بالخطاب الديني القادر على تحفيز الأمة لنصرة قضاياها العادلة.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب