حدود أطباء بلا حدود
بقلم: يانا براندت*—–
(صحيفة “دي فيلت” الألمانية، ترجمة: نشوى الرازحي-سبأ)-
تخيل أن يصيبك ألم شديد في البطن. وتشتد لديك أعراض الزائدة الدودية. ومع ذلك ، يحتاج منك الوصول إلى أقرب طبيب عدة ساعات بالسيارة. أو أن تكون امرأة حامل وحالة ولادتها متعسرة ، ولكن لا يوجد مستشفى قريب. وتخيل أن يموت طفلك من الأمراض التي يمكن مكافحتها باللقاح ولكن لا يوجد لقاح.
لا يمكننا أن نتخيل أن مثل هذه الرعاية الطبية الأساسية لم تعد موجودة تقريباً. لقد أصبحت هذه حقيقة مُرة منذ سنوات بالنسبة لـ 27 مليون شخصا في اليمن. لقد انهار نظام الرعاية الصحية وهذا أمر قاسٍ جدا على الأطفال والحوامل والمسنين والمصابين بأمراض مزمنة على وجه الخصوص.
إذ سرعان ما تصبح الأمراض ” البسيطة ” مهددة للحياة. فإذا ما تضاعف النقص في اللقاحات بسبب قلة الإمداد بها وبسبب صعوبة الحصول على مياه الشرب النظيفة يزيد خطر انتشار الأوبئة مثل الكوليرا وعودة أمراض أخرى قد أمكن التغلب عليها ، مثل الخناق.
ما لا يقل عن 75 ألف حالة وفاة:
وكأن ذلك ليس بالأمر الكافي. فما يزال الناس في اليمن يعانون من العنف الشديد منذ مارس 2015. ويتعرض الناس بصورة يومية للغارات الجوية أو المعارك الأرضية أو الألغام. ومنذ بداية الحرب ، عالجت منظمة أطباء بلا حدود أكثر من 90 بالمائة من ضحايا الحرب والعنف ، بما في ذلك العديد من النساء والأطفال ويقدر عدد القتلى بما لا يقل عن 57 ألفا.
إن الاحتياج إلى المساعدات الطبية في اليمن كبير جداً. في حين أنه قد تم تدمير أكثر من نصف المرافق الصحية و هناك نقص كبير في المعدات والأدوية والموظفين. فمنذ أغسطس 2016 ، لم يتلق معظم الموظفين الطبيين ذوي الكفاءة أي رواتب.
هذا بالإضافة إلى أن الطريق إلى أقرب مستشفى أصبح في الغالب شبه مستحيل أو مستحيل تماماً بسبب المعارك ونقاط التفتيش. حيث يحتاج المصابون بجروح خطيرة إلى ساعات للوصول إلى العيادة – هذا إذا كانوا قادرين على تحمل تكلفة الرحلة إلى هناك. فبسبب الحصار والتضخم الاقتصادي المرتفع ، أصبح البنزين ووسائل النقل مكُلف جداً.
أخبرت أم لخمسة أطفال موظفينا أنها اضطرت لبيع ما لديها من ذهب لإحضار ابنها إلى العيادة. فقد أصيب ابنها البالغ من العمر 16 عاماً بشظية في ساقه وهو يلعب كرة القدم. وكانت المرأة قد وضعت مجوهراتها جانبا لتؤمن مستقبل أولادها. ولم تكن تعتقد أنه سيأتي الوقت الذي تبحث فيه عن ما يبقيهم فقط على قيد الحياة.
يعد عمل منظمة أطباء بلا حدود في اليمن هو الأكبر على مستوى العالم. حيث يعمل في اثني عشر مستشفى ومركز صحي أكثر من 2200 موظف كما نقدم الدعم لعشرين مركزاً صحياً. لكن عملنا يصطدم بصورة متزايدة بالحدود التي تفرض علينا حصر عملنا على مناطق معينة. إذ ليس لدينا إمكانية للوصول إلى العديد من المناطق في البلاد ، حيث يمكننا أداء عملنا وهذا ممكن فقط في ظل تدابير أمنية مشددة. فقد تعرضت مرافق منظمة أطباء بلا حدود للهجوم ست مرات.
أما المساعدات الإنسانية فتعمل جميع أطراف النزاع على إعاقة وصولها. ولا يمكن تغيير ذلك إلا بالوسائل السياسية. والآن عن طريق ألمانيا بصورة خاصة من خلال مقعدها في مجلس الأمن الدولي. نوجه لها دعوة لحماية السكان المدنيين والمرافق الطبية.نحن بحاجة إلى وصول العاملين في المجال الإنساني وإمدادات الإغاثة دون أي عوائق. وكذلك تسهيل عملية وصول السكان إلى المرافق الصحية.
كمنظمة طبية إنسانية ، لا يمكننا فقط سوى مكافحة أعراض هذه الحرب. وفي كل يوم تؤدي القنابل والطلقات النارية إلى تفاقم سوء حالة اليمنيين. والأمر الآن متروك لحكومة ألمانيا الاتحادية للمساهمة في القضاء على أسباب هذه المعاناة التي هي في الأساس من صنع الإنسان. واليمن في النهاية بحاجة ماسة للسلام.
*يانا براندت هي مديرة مشاريع منظمة أطباء بلا حدود من برلين.