السياسية - تقرير: نجيب هبة*




لم يعد موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية والقدس المحتلة موسماً للفرح والخير كما عهده الفلسطينيون لعقود طويلة، بل تحول في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى موسم مواجهة مفتوحة ومركبة مع المستوطنين وقوات العدو الصهيوني، حيث تتصاعد فيه الاعتداءات بشكل ممنهج يستهدف الشجر والحجر والإنسان، في محاولة ممنهجة لفك ارتباط الفلسطيني بأرضه وتاريخه ومصدر رزقه.

وفي الوقت الذي تتجه فيه آلاف العائلات الفلسطينية إلى حقولها محملة بسلالم الخشب وأكياس الخيش، تسجل الضفة الغربية المحتلة يومياً عشرات الاعتداءات التي تتراوح بين الحرق والتجريف والسرقة والضرب ومنع الوصول إلى الأراضي، بحماية مباشرة وميدانية من جيش العدو الذي يوفر الغطاء للمستوطنين ويمنع المزارعين من الدفاع عن حقولهم.

تصاعد غير مسبوق يوثق جريمة مستمرة

وتكشف أحدث الإحصائيات الرسمية والميدانية عن حجم الكارثة التي يتعرض لها القطاع الزراعي الفلسطيني، والتي تتجاوز كونها اعتداءات فردية إلى سياسة دولة منظمة.

ففي هذا السياق، أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، أن قوات العدو والمستوطنين نفذوا خلال شهر سبتمبر الماضي وحده 2051 اعتداءً، منها 1404 اعتداءات نفذها جيش العدو و647 اعتداءً نفذها المستوطنون.

وفي أغسطس الماضي، رصد مرصد الاستيطان 628 اعتداءً للمستوطنين، تصدرتها محافظتا رام الله والبيرة بـ157 اعتداءً، ونابلس بـ137 اعتداءً، ما يشير إلى تركيز الاعتداءات في المناطق الأكثر كثافة بأشجار الزيتون.

وطالت الاعتداءات خلال سبتمبر فقط نحو 14 ألف شجرة، بينها أكثر من 9 آلاف شجرة زيتون تم اقتلاعها أو حرقها أو تسميمها بمواد كيماوية.

وخلال النصف الأول من العام الجاري، تضررت أو قُطعت 45,195 شجرة، بينها 26,395 شجرة زيتون مثمرة تشكل مصدر الدخل الوحيد لعشرات العائلات.

وكشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقرير، اليوم الأحد، اطلعت عليه وكالة الأنباء اليمنية "سبأ"، أن إجمالي الاعتداءات منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى نهاية سبتمبر 2026 طال 147 ألفاً و111 شجرة بالتحطيم والاقتلاع والحرق والتسميم، بينها 100 ألف و485 شجرة زيتون، وهو ما يؤكد أن شجرة الزيتون في قلب الاستهداف.

وتوزعت الأضرار حسب المحافظات على النحو التالي: الخليل 31,516 شجرة، ورام الله والبيرة 27,922، ونابلس 24,073، وجنين 23,658، وبيت لحم 15,784، وسلفيت 11,313، وقلقيلية 9,298، وطوباس 2,234، وطولكرم 745، والقدس 568 شجرة. وهي محافظات تشكل الخزان الزراعي للزيتون في فلسطين.

وقُدرت الخسائر المالية المباشرة وغير المباشرة للمحاصيل خلال الفترة نفسها بنحو 153.8 مليون دولار، دون احتساب خسائر المواسم القادمة نتيجة تدمير أشجار تحتاج لعشرات السنين لتنمو من جديد.

أما على مستوى المساحات، فتشير بيانات وزارة الزراعة الفلسطينية، إلى وجود ما بين 220 إلى 230 ألف دونم مزروعة بالزيتون أصبحت معزولة خلف جدار الفصل العنصري أو واقعة بمحاذاة البؤر والمستوطنات، ما يمنع أصحابها من الوصول إليها إلا بتنسيق أمني نادراً ما يُمنح، وغالباً ما يترافق مع اعتداءات أثناء محاولة الدخول.

جرائم يومية في ذروة القطاف

وشهدت الساعات الأخيرة تصعيداً خطيراً في الضفة، تزامناً مع ذروة موسم القطاف الذي يعتبر عيداً اجتماعياً فلسطينياً:

ففي نابلس، هاجم مستوطنون صهاينة مزارعين في منطقة قماص ببلدة بيتا وأطلقوا الرصاص الحي صوبهم، واحتجزت قوات العدو عدداً من الشبان والمتضامنين الأجانب الذين توافدوا لمساعدة المزارعين في قطف ثمارهم.

وفي تطورات ميدانية اليوم الأحد، أفاد موقع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، بأن مستوطنين متطرفين داهموا المزارعين في منطقة محفوريا ببلدة عقربا جنوب نابلس، واعتدوا بالضرب المبرح على أحدهم وسرقوا محصوله ومعداته الخاصة، فيما أقدمت قوات العدو على اعتقال شابين على الطريق الواصل بين عقربا وخربة يانون أثناء عملهما في جني محصول الزيتون.

وأضاف الموقع، أن عصابات المستوطنين في قرية بورين جنوب نابلس استولت على معدات زراعية وثمار زيتون تحت حراسة عسكرية مشددة، في حين أطلقت قوات العدو قنابل الغاز المسيل للدموع صوب المزارعين؛ ما أدى إلى إصابة ثلاثة مواطنين بحالات اختناق شديدة نُقلوا على إثرها للعلاج.

كما نصبت عصابات المستوطنين في بلدة بيتا كميناً للمزارعين في منطقتي جبل قماص والظهرة، وهاجمت منزلاً وحطمت زجاج مركبة وأغلقت الطرقات بالحجارة والمكعبات الإسمنتية لمنع الأهالي من الوصول إلى حقولهم.

وفي بيت لحم، اعتقلت قوات العدو، أمس السبت، المواطن محمد رضوان عمية من بلدة دار صلاح واستولت على مركبته الخاصة، ونصبت حاجزاً عسكرياً عند مدخل قرية مراح رباح، وأجبرت المزارعين على العودة.

وفي جنين، اعتقلت قوات العدو المواطن كمال عثمان السعدي من داخل أرضه في محيط مستوطنة "كاديم" المقامة على أراضي المواطنين.

وفي المغير شمال شرق رام الله، رعت مجموعات من المستوطنين أغنامها في أراضٍ مزروعة بأشجار الزيتون في سهل المغير الشرقي بحماية جيش العدو ما ألحق أضراراً كبيرة بالأشجار والموسم، في تكتيك يهدف لتدمير المحصول دون حرقه مباشرة.

حرق 55 شجرة يزيد عمرها على 40 عام

وفي القدس المحتلة، كانت الجريمة الأبشع، حيث أحرق مستوطنون نحو 55 شجرة زيتون يزيد عمرها على 40 عاماً في أراضي المواطن إبراهيم إسماعيل أبو هلال في برية أبو ديس، الممتدة على مساحة 14 دونماً، أثناء قطفه الثمار برفقة عائلته. وهاجم المستوطنون العائلة وحاولوا الاعتداء عليهم قبل أن يضرموا النار في الأشجار ويحرقوا أدوات القطف والمحصول بالكامل.

وتأتي الجريمة بعد إعلان سلطات العدو في 27 أغسطس الماضي مصادرة 370.28 دونماً من أراضي أبو ديس وعرب السواحرة تحت مسمى "أملاك حكومية" لإقامة مستوطنة "مشمار يهودا" الجديدة.

كما شهدت مناطق وادي الربابة في سلوان، وعقابة وطوباس وبرقة وطولكرم وقلقيلية وسلفيت وأريحا والخليل اعتداءات مماثلة، تراوحت بين منع الوصول وسرقة الثمار وحرق الأشجار وتكسير الأغصان عمداً.

وبلغت ذروة الاعتداءات، استشهاد المواطن مشهور شاهر محمد ياسين (51 عاماً) في بلدة ياسوف شرق سلفيت، متأثراً بإصابته خلال هجوم للمستوطنين على أراضي البلدة، في جريمة تؤكد أن الاستهداف انتقل من الشجر إلى البشر.

لماذا الزيتون تحديداً؟

ويرى الباحث في قضايا الاستيطان ورئيس وحدة البحث الميداني في الأغوار بالضفة الغربية رائد موقدي، أن تصاعد الاعتداءات مع كل موسم قطاف ليس صدفة موسمية، بل سياسة ممنهجة تستهدف "الوجود الفلسطيني والرابط التاريخي الذي يجمع المزارع بأرضه وشجره".

ويوضح موقدي لوكالة "شهاب" الفلسطينية، أن موسم الزيتون هو أكثر الأوقات التي يتواجد فيها المزارعون في أراضيهم المهددة بالمصادرة، وتتجلى فيه "اللمة الفلسطينية" والعونة، وهو ما يثير رفض العدو الذي يحاول إفشال الموسم وكسر إرادة البقاء. وتتنوع الاعتداءات بين حرق الأشجار وتخريب الممتلكات وتسييج الأراضي وإغلاق الطرق وسرقة المحاصيل.

ويجري نمط السرقة، حسب الموقدي، بشكل ممنهج ومدروس، حيث يستغل المستوطنون الطوق الأمني والقيود المفروضة على المزارعين الذين يُمنعون من دخول أراضيهم المحاذية للمستوطنات إلا بتنسيق أمني مسبق مع الارتباط المدني، فيقوم المستوطنون بجني الثمار وسرقتها، ثم يتعمدون تكسير أغصان الأشجار لإلحاق أكبر ضرر ممكن ومنعها من الإثمار في العام القادم.

وأضاف الباحث أنه يتم يرصد ما بين 100 إلى 300 اعتداء سنوياً خلال الموسم فقط بهذه الطريقة.

وأوضح أنه، "يوجد مساران متوازيان لسياسة الاحتلال: الأول هو التوسع الاستيطاني وإنشاء البؤر والبنية التحتية، والثاني هو تصعيد الاعتداءات الميدانية خلال موسم الزيتون لفرض أمر واقع ودفع الأهالي لترك أراضيهم طوعاً".

من جهته، يحذر مدير مرصد الاستيطان نصير أبو ثابت، من أن الاعتداءات تجاوزت التخريب الاقتصادي إلى استهداف حياة المزارعين بشكل مباشر، في ظل انتشار البؤر الاستيطانية الرعوية بشكل سرطاني حتى بين التجمعات السكنية الفلسطينية، مما يحول أراضي المزارعين إلى مناطق معزولة ومهددة بالمصادرة الفورية.

الزيتون.. هوية وتاريخ ومصدر رزق

ولا تمثل شجرة الزيتون مجرد محصول زراعي في فلسطين، بل هي هوية وتاريخ ومقاومة وصمود.

ويرتبط الزيتون بتاريخ طويل في فلسطين، إذ يعود عمر بعض أشجاره إلى آلاف السنين في قرى الولجة وبتير وعبود، وتحمل قرى وبلدات فلسطينية أسماء مشتقة من الزيت والزيتون مثل بيرزيت وزيتا وعصيرة وعين الزيتون، ما يدل على عمق العلاقة التي تربط الأرض الفلسطينية بشجرة الزيتون المباركة.

وطبقًا لمراقبين، تكتسب أشجار الزيتون بعداً يتجاوز قيمتها الاقتصادية، باعتبارها جزءاً راسخاً من المشهد الريفي الفلسطيني وإرثه الزراعي. فهي مصدر دخل لما يزيد عن 100 ألف عائلة فلسطينية، وتساهم بنحو 25% من الدخل الزراعي، ويعتمد عليها آلاف المزارعين كمصدر وحيد للرزق، كما أن زيت الزيتون الفلسطيني يعد من أجود أنواع الزيوت عالمياً ويحمل شهادات جودة دولية.

لذلك، فإن استهدافه هو استهداف للوجود الفلسطيني ذاته، في محاولة لكسر إرادة المزارع الذي يعتبر بقاءه في أرضه وزراعتها وحمايتها شكلاً من أشكال المقاومة الشعبية ضد مشاريع التهجير والمصادرة والضم الصامت الذي تمارسه حكومة العدو الصهيوني.





سبأ