كيان الاسدي*

لا شك أن الأمريكي تضرر كثيرًا في العراق، منذ لحظة وجوده كاحتلال، وإلى لحظة انسحابه في عام 2011، ثم عودته بالاتفاقية الاستراتيجية، وصولًا إلى لحظة انسحابه الآن. وهذا الضرر، على المستوى المادي والبشري، ليس حديثًا تدّعيه المقاومة، بل تعترف به القيادات العسكرية والأمنية والسياسية الأمريكية، وحتى ترامب اعترف بذلك بقوله إنه خسر من جنوده 4600 قتيل و30 ألف جريح.

هذه إحصائية يعلنها الأمريكي نفسه، وهل هي حقيقية أم تخضع لمراعاة الهيبة الأمريكية وحساباتها؟ الله أعلم. ولكن حتمًا، فإن خسائر الأمريكي كانت كبيرة جدًا، وهذا بفضل المقاومة، وليس الدبلوماسية أو التفاوض أو تقديم التنازلات السياسية. فالمقاومة هي التي جعلت كلفة الوجود الأمريكي في العراق مرتفعة، وأوصلت الأمريكي إلى قناعة بأن بقاءه العسكري ليس أمرًا سهلًا أو مجانيًا، وأن وجوده سيبقى عرضة للاستهداف ما دام العراق ساحة مفتوحة للمواجهة.

العراق، منذ أن انتصر على داعش بفضل المقاومة ودعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفتوى المرجعية، أصبح في موقع مغاير على خارطة الصراع الإقليمي عن موقعه السابق. فهذه الجماعات الإرهابية التي احتلت مساحة كبيرة من الأراضي، كان يُعوّل عليها صهيونيًا لتجهيز موطئ قدم جديد، يختصر عملًا أُعدّ له منذ سنوات، وهو الوصول إلى تحقيق «ممر داوود»، الذي يربط حدود الأراضي المحتلة بالحدود العراقية عبر سوريا، وتحقيق الحلم اليهودي ومطامعهم في أرض بابل، كما يزعمون.

ولذلك، فإن سقوط هذا المشروع في العراق لم يكن مجرد انتصار عسكري على مجاميع إرهابية، بل كان له انعكاس مباشر على شكل المعادلة الإقليمية. فالعراق الذي كان يُراد له أن يكون ساحة مفتوحة للفوضى، أصبح بعد الانتصار على داعش أكثر قدرة على التأثير في محيطه، وأصبح موقعه الجغرافي وثقله السياسي والأمني عاملًا مهمًا في حسابات القوى الإقليمية والدولية.

إن الانتصار على هذه المجاميع، رغم أنها كانت تخضع للدعم الأمريكي، جعل التواجد الأمريكي في العراق ضرورة، من وجهة نظر واشنطن، للحد من قوة المقاومة، والقدرة على التجسس على الجمهورية الإسلامية، وأيضًا حتى لا يتحول العراق إلى قوة إقليمية تزعج أو تقف بوجه المخططات الأمريكية ومشاريعها في المنطقة.

والأمريكي يعلم جيدًا أهمية العراق؛ فإذا تحول العراق بكله وكلكله إلى مناهض لمشاريعه، فإن ذلك سيعجل بطرده من المنطقة، لأن موقع العراق الاستراتيجي وتأثيره وثرواته تصنع فارقًا كبيرًا في معادلة الصراع. فالعراق ليس دولة هامشية في المنطقة، بل هو دولة تمتلك الموقع والثروة والتاريخ والقدرة البشرية، وأي تحول حقيقي في موقفه السياسي والأمني يمكن أن ينعكس على مجمل التوازنات الإقليمية.

لذلك، الأمريكي لا يريد من العراق أن يكون حياديًا في أي حرب يخوضها في المنطقة. ويمكننا القول إنه كان يكتفي بأن يكون العراق منطلقًا لعملياته العسكرية والتجسسية، ولكن بمرور الزمن، وبتنامي قدرة المقاومة، بات يريد من الفاعل السياسي والقرار الحكومي أن ينطلق من منطلقاته وما يخدم مصالحه، كما هو الحال في الالتزام بالعقوبات الأحادية التي يصدرها الأمريكي ضد إيران، والتهديد بأن من لا يلتزم سيكون جزءًا من العقوبات.

وهذه البلطجة واستخدام القوة يدلان على الإفلاس السياسي وغياب الإقناع الذي كان يستخدمه لعقود، عندما كان يقدم نفسه على أنه الحامي والحليف الذي لا يمكن لأحد أن يتخلى عنه. فحين تتحول العلاقة من التحالف إلى الإملاء، ومن الشراكة إلى التهديد، يصبح السؤال عن طبيعة هذه العلاقة مشروعًا، وهل نحن أمام شراكة حقيقية أم أمام محاولة مستمرة لإبقاء القرار العراقي ضمن حدود المصالح الأمريكية؟

اليوم، بات الجانب الاقتصادي أحد بوابات الابتزاز السياسي للولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة فيما يتعلق بتصدير النفط ورهن الأموال العراقية بذريعة الحفاظ عليها، رغم أن العراق سدد ما عليه من ديون للدول الأخرى، وانتهت تعويضات الكويت، ورفع العراق من البند السابع، ولكن الهيمنة الأمريكية على الأموال العراقية استمرت إلى يومنا هذا.

وللأسف، لم يأتِ أحد ليعمل على خطة اقتصادية تنقذ الاقتصاد العراقي من حبل المشنقة الأمريكي، وهذا التقصير يرافق الدولة منذ عقود. فاستقلال القرار السياسي لا يمكن أن يكتمل من دون استقلال اقتصادي، ولا يمكن للعراق أن يتخلص من أدوات الضغط الخارجي ما لم يمتلك القدرة على إدارة أمواله وثرواته بطريقة تمنحه مساحة أوسع في اتخاذ قراراته بعيدًا عن الابتزاز والتهديد.

لذلك نعم، انسحب الأمريكي عسكريًا من الأراضي العراقية كوجود لقواعد عسكرية يُعتد بها، وترك خلفه الكثير من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابة صادقة مع الشعب.

ماذا عن الأجواء العراقية؟

ماذا عن مراكز التجسس المدنية؟

ماذا عن السفارة الأمريكية ودورها، وما تحتويه من عدة وعدد؟

وهل يكفي خروج القوات والقواعد العسكرية حتى نقول إن النفوذ العسكري والأمني الأمريكي انتهى؟ أم أن هناك أشكالًا أخرى من الحضور والنفوذ ما زالت قائمة، وتحتاج إلى إجابات واضحة من الحكومة العراقية؟

نحن على أبواب عمل عسكري آخر على إيران، كما يتوعد ترامب، فهل ستكون سماء العراق بمعزل عن هذه الهجمات؟ وما هي الضمانات؟

فالعراق لا يستطيع أن يتحدث عن سيادة كاملة، وفي الوقت نفسه يترك أجواءه مفتوحة أمام أي طرف يريد استخدامها لتنفيذ عمليات عسكرية ضد دولة أخرى. وإذا كانت الحكومة العراقية تؤكد أن العراق لن يكون ساحة لتصفية الحسابات، فعليها أن توضح للشعب ما هي الإجراءات والضمانات التي تمنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية في أي عمل عسكري.

وما هو واجب الحكومة العراقية إذا اخترق الأمريكي سماء العراق؟ هل ستعترض؟ هل ستمتعض؟ أم ستلزم الصمت؟

إن هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا، بل هي جوهر الحديث عن السيادة. لأن السيادة لا تعني فقط خروج الجنود والقواعد، وإنما تعني أيضًا أن يكون للدولة موقف واضح عندما تُنتهك أجواؤها أو تُستخدم أراضيها في صراع لا تريد أن تكون طرفًا فيه.

والسؤال الأبرز: لماذا لم يرد رئيس الوزراء على الاتفاق الذي تكفلت به لجنة الإطار التنسيقي مع فصائل المقاومة؟

هل يريد الزيدي من الفصائل اتفاقًا أحادي الجانب، دون التزامات من الحكومة ودون تقديم ضمانات؟ أم أن الأمريكي، كعادته، نفّذ، وإلا فأسلوب البلطجة والتهديد حاضر؟!

في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح في يوم السيادة العراقي: هل نحن أمام انسحاب عسكري أمريكي حقيقي يفتح الطريق أمام قرار عراقي مستقل، أم أمام انسحاب للقواعد والجنود مع بقاء أدوات النفوذ والضغط والوصاية بأشكال أخرى؟

فالسيادة لا تُقاس فقط بمن غادر الأراضي العراقية، وإنما أيضًا بمن بقي قادرًا على التأثير في القرار العراقي، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

* مدير مركز باب العامود للدراسات السياسية
* كاتب عراقي
* المقال يعبر عن رأي الكاتب