أحمد شملخ.. كفيفٌ غزاوي يطارد الخبز والماء وسط نزوح لا ينتهي
السياسية- تقرير:
حين يخرج أحمد شملخ من مكان نزوحه بحثًا عن ربطة خبز أو عبوة ماء، لا يواجه فقط مشقة الطريق والازدحام، بل يخوض رحلة لا يستطيع رؤية تفاصيلها؛ يحتاج إلى من يقوده، ويساعده على تجاوز العوائق، ويحميه من السقوط وسط حشود لا تعرف دائمًا أن الرجل الذي أمامها كفيف.
هكذا أصبحت تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة خلال الحرب بالنسبة لأحمد، معركة متواصلة للبقاء؛ فالنزوح الذي يعني لغيره حمل بعض الأمتعة والبحث عن مكان أكثر أمانًا، يعني له البحث عمن يساعده على الحركة، وتأمين الطعام والماء والمأوى لأسرته، وحماية طفليه، ومحاولة العثور على عمل يعيد إليه شيئًا من استقلاله.
ومن مكان نزوح إلى آخر، حمل أحمد إعاقته ومسؤولية أسرته، فيما كانت حرب الإبادة تنتزع من حوله مقومات الحياة؛ فلا عمل ثابت يستند إليه، ولا منزل مستقر يحمي أطفاله، ولا طريق يستطيع سلوكه بمفرده للحصول على أبسط الاحتياجات.
يصف أحمد لصحيفة (فلسطين) الحياة خلال الحرب بأنها أصبحت أكثر قسوة على الأشخاص ذوي الإعاقة، مع تراجع الخدمات وفرص العمل وتكرار النزوح، لتتحول المهام اليومية إلى تحديات تحتاج إلى مساعدة الآخرين.
ويقول: "عندما يخرج الناس من أماكنهم يحملون بعض حاجياتهم، أما نحن فنحتاج إلى من يساعدنا في الحركة ويحمل معنا الأطفال والأغراض. لم يكن لدينا وقت للاستقرار؛ كنا ننتقل ثم نبدأ من جديد في البحث عن الماء والطعام والمأوى".
وتبقى رحلة الحصول على الخبز من أقسى تفاصيل يومه، إذ يجد نفسه وسط ازدحام لا يستطيع رؤية من حوله أو تجنب عوائقه، وقد يعود إلى أسرته خالي اليدين.
ويضيف: "نخرج في الصباح بحثًا عن الخبز، فنجد أنفسنا وسط ازدحام شديد. كثيرون لا ينتبهون إلى أن الشخص الذي أمامهم لا يرى، ولذلك تصبح الحركة بين الناس صعبة ومؤلمة، وقد نعود أحيانًا من دون أن نحصل على ما خرجنا من أجله".
أما المياه، فتحولت إلى عبء آخر، فالحصول عليها يتطلب حركة وجهدًا ومساعدة، وهي أمور تصبح أكثر صعوبة مع تكرار النزوح وعدم استقرار الأسرة.
ولا تتوقف معاناته عنده؛ فما يثقل قلبه أكثر هو انعكاسها على طفليه، اللذين وجدا نفسيهما محرومين من احتياجات أساسية، من الطعام والحليب إلى المسكن الآمن والاستقرار.
ويقول: "طفلاي الاثنان دفعا ثمن هذه الظروف معنا، احتاجا إلى الحليب والطعام، وإلى مسكن مناسب يحميهما، وإلى حياة مستقرة يشعران فيها بالأمان، لكن الحرب والنزوح حرماهما كثيرًا من هذه الأمور".
وتتضاعف أعباء الأسرة مع معاناة زوجته الثانية أيضًا من الإعاقة البصرية، الأمر الذي يجعل تفاصيل الحياة اليومية أكثر مشقة على الاثنين، في وقت يواجهان فيه مسؤولية رعاية أطفالهما وسط ظروف النزوح.
وقبل حرب الإبادة على قطاع غزة، لم تكن البطالة مشكلة طارئة في حياة أحمد، إذ واجه الأشخاص ذوو الإعاقة أصلًا عوائق تحول دون وصولهم إلى فرص العمل، لكنه يرى أن المساعدات المؤقتة ليست حلًا دائمًا لمعاناتهم.
ويقول: "الإعاقة لا تلغي قدرة الإنسان على العطاء. إذا أُتيحت لنا الأعمال التي نستطيع القيام بها، فإننا قادرون على تحمل مسؤولياتنا. المطلوب هو إزالة العوائق أمامنا، لا إبعادنا عن سوق العمل".
وبالنسبة إلى أحمد، لا تختصر الكرامة في سلة غذائية أو جرعة ماء، بل تبدأ من امتلاك القدرة على العمل وتحمل مسؤولية أسرته، وأن يُنظر إلى الشخص ذي الإعاقة باعتباره إنسانًا قادرًا على الإنتاج، لا شخصًا ينتظر مساعدة الآخرين.
وفي نهاية يوم آخر من النزوح، لا يطلب أحمد حياة استثنائية؛ كل ما يريده مكان مستقر يأمن فيه على أطفاله، وماء وطعام لا يحتاج للوصول إليهما إلى خوض معركة جديدة، وفرصة عمل تعيد إليه بعض استقلاله.
وفي غزة التي دفعت الحرب سكانها إلى النزوح بحثًا عن أبسط مقومات البقاء، تبدو رحلة أحمد أكثر من قصة رجل كفيف يبحث عن الخبز والماء؛ إنها حكاية إنسان يتمسك، رغم كل ما فقده، بحقه في العمل والكرامة، ويحاول أن يثبت أن إعاقته لم تكن يومًا عائقًا أمام قدرته على الحياة، وأن أصعب ما تفعله الحرب ليس أن تنتزع من الإنسان مكانه فحسب، بل أن تحاصره حتى في أبسط حقوقه.

