أسماء الجرادي*


قد يرى البعض في هذا العنوان خروجاً عن المألوف، لكنها الحقيقة المفروضة على الواقع؛ فمن يدعي العلم ثم يخرس أمام جرائم الأعداء بحق المسلمين خوفاً وطمعاً، ويفتح فمه ليفتي بقتل الأبرياء افتراءً وبهتاناً، لا يستحق لقب "عالم". هنا تسقط الألقاب وتنكشف الأقنعة الزائفة؛ فليس عالماً من يرتدي عباءة الدين ليطعن أمته، بل هو بوق للفتنة، باع دينه وضميره ليكون خادماً للسلطان والمشاريع الخارجية.

العالمُ الحَقُّ هو العالمُ بالله الذي يخشاه وحده، ويعلي كلمته، ويدافع عن دينه وأمته، واقفاً في وجه الظلم بقلب ثابت ولسان صادق؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. أما هؤلاء، فليسوا سوى عبيدٍ للمال وأسرى للدنيا، لم ينفعوا الأمة بل آذوها بخدمة أعدائها.

ومما يذكي الفتن ويفرق الصفوف، تاريخُهم الشاهد عليهم في أفغانستان وسوريا؛ حيث عبأوا الشباب بالأفكار المتطرفة، وسخّروا الفتاوى لتدمير الأوطان وسفك الدماء خدمةً لأجندات خارجية، تحت راية جهادٍ زائف لم يكن في حقيقته إلا خدمةً للشيطان.

في عام 2015، تكرر المشهد ذاته في اليمن من خلال تحالفٍ سخر فتاوى لعلماء وأئمة استباحوا دماء اليمنيين وبرروا الجرائم بحقهم. فبينما كانت المنابر تدعو لإبادة شعب مسلم بدعوى خروجهم عن الدين، كانت الأصوات ذاتها تنادي بالتطبيع مع الاحتلال وتصفه بأخوة الدين، متجاهلةً اعتداءاته المستمرة والآيات القرآنية الصريحة التي تحذر من موالاته. هذا التناقض تجلى في صمتٍ مريب تجاه حرب الإبادة في غزة ومنع الدعاء للمقاومة، فضلاً عن غض الطرف عن جرائم الاحتلال المتواصلة في القدس والضفة الغربية."

ورغم التزام أهل الضفة الغربية بمسار السلام، لم يسلموا من بطش الاحتلال. وفي المقابل، غابت نصرة الأنظمة وعلماء السلطة الذين يروّجون للتطبيع مع الاحتلال كـ"شريك"، بينما يعادون المقاومة ويحملونها تبعات الجرائم الإسرائيلية، بل ويقلبون المفاهيم بتسمية شهدائها ضحايا؛ فأي منطق أو دين يبيح هذا التزييف؟

واليوم يكررون الدور ذاته بالتحريض والافتراء على اليمن، مما أفقدهم مصداقيتهم أمام الشعوب؛ خاصة بعد صمتهم المخزي تجاه حرب الإبادة في غزة والعدوان على لبنان وإيران واليمن، ليصبحوا بإساءتهم للدين ومخالفتهم للقرآن سبباً في نفور المجتمع منه.

وفي المقابل، تقف قوى المقاومة في اليمن، وإيران، ولبنان، والعراق دفاعاً عن دين الله والمستضعفين؛ فهم الصادقون الذين واجهوا الأعداء، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم طاعةً لله والتزاماً بأوامره.

إن بيانات التضليل والافتراءات التي تستهدف مكة والمدينة المنورة، وما يرافقها من فتاوى وتنديدات، تمثل بهتاناً عظيماً واستفزازاً صارخاً لليمنيين. ويمتد هذا النهج إلى مواقف بعض علماء الخطاب الرسمي، مثل الفوزان وآل الشيخ، الذين وظفوا منابرهم وفتاواهم—حتى من فوق جبل عرفات—للتحريض على قتال الشعب اليمني.

كان الأحرى بهؤلاء العلماء أن ينأوا بأنفسهم عن سفك الدماء، ويخلصوا لأحكام كتاب الله كما حرصوا على ترتيل آياته. إن قول الحق في زماننا تضحية؛ كما تجسد في مواقف الشيخين خالد الراشد وعبد العزيز الطريفي، اللذين آثرا الاعتقال على طاعة السلطان فيما يغضب الله، استشعاراً لواجب العالم الصادق.

فليعلم أدعياء العلم أن الحق أبلج وأن الله ناصر دينه، فما يمارسونه اليوم هو عمالة مغلفة بالدين، وينطبق عليهم قوله تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ}، بعد أن باعوا ضمائرهم، ولن تفلتهم لعنة التاريخ.

المقال يعبر عن رأي الكاتب