سند الصيادي*

خلف الابتسامات الدبلوماسية وأروقة القصور المذهبة في الرياض، لا يمكن قراءة المشهد الذي جمع محمد بن سلمان بمنصور بن زايد إلا كاجتماع طارئ بدفع إسرائيلي كبير، يكشف حجم الارتباك والذعر الذي يعيشه كيان العدو الصهيوني وحلفاؤه الإقليميون، على وقع ضربات القوات المسلحة اليمنية واستعادتها زمام المبادرة وتطهير مناطق استراتيجية وحاكمة على الساحل الغربي، وفي محاولة بائسة لتدارك التداعيات الميدانية والجيوسياسية المتلاحقة الناتجة عن الصمود اليمني.


بعد أن تبددت أوهام الهيمنة، وأدرك حلفاء الأمس أن أدواتهم المحلية ليست سوى أوراق هشة تحترق عند أول مواجهة حقيقية مع أصحاب الأرض، بات جليا أن المشهد اليمني الذي حاول تحالف العدوان هندسته على مدار سنوات طويلة يتهاوى اليوم تحت وطأة وقائع عسكرية وسياسية تفرضها اليمن قيادة وجيشا وشعبا بثبات واقتدار على امتداد الساحل الغربي وفي عمق مياه البحر الأحمر.

وبالتالي فإن هذه التحالفات المعاد تدويرها وما سيتمخض عنها ليست إلا دليلا واضحا عن مدى الارتباك الميداني الحاصل، والذي تحول إلى تحرك دبلوماسي اضطراري لدى الطرفين اللذين تقاسما بتوجيه أمريكي طوال عقد من الزمن أدوار التدمير ونهب الثروات، قبل أن يجدا نفسيهما في لحظة مكاشفة قاسية؛ حيث سقطت الرهانات على تمزيق اليمن تحت مشاريع تفتيت صهيو أمريكية وأدوات تمولها الرياض وأبو ظبي.

لقد راهنت عواصم الخليج طويلاً على المظلة الأمريكية والبريطانية، معتقدة أن البوارج الغربية كفيلة بحماية خطوط الملاحة الصهيونية وكسر الحصار اليمني المفروض إسناداً للمظلومين في غزة.

لكن الفشل الذريع الذي منيت به واشنطن ولندن والكيان في كبح العمليات البحرية اليمنية، جعل الرياض وأبو ظبي في مواجهة مباشرة مع الحقيقة العارية: لا واشنطن قادرة على حمايتهما، ولا تحالفاتهما قادرة على تغيير قواعد الاشتباك التي فرضها اليمن بالدم والتضحية والتطوير العسكري غير المسبوق.

إن البحث عن تقارب سعودي إماراتي جديد برعاية وترحيب صهيوني وأمريكي كبير، تحت وطأة هذا الفشل، لا يمكن تفسيره إلا كمسعى لترميم جبهة تصدعت بفعل تضارب الأجندات وأطماع التوسع، وكإعلان عجز صريح عن خوض المواجهة بإمكانياتهم الذاتية، ومحاولة تدوير وتدويل فاشلة لن تغير من واقع السيطرة اليمنية على الجغرافيا والمياه الحاكمة شبراً واحداً.

بعد جولات من اختبار القدرات في البحر والبر، يقف تحالف دول العدوان برباعيته الاقليمية والدولية اليوم أمام مفارقة يستحيل القفز عليها؛ فالمشاريع الاستثمارية الكبرى والمدن الاقتصادية الزجاجية التي تروج لها الرياض وأبوظبي لا يمكن أن تتعايش مع استمرار العدوان والحصار، كما أن محاولة الجمع بين التبجح بالاستقرار الاقتصادي ومواصلة التآمر على استقلال اليمن هي حسابات خاطئة تكشف عن قصر نظر استراتيجي.

بنك الأهداف اليمنية في عمق دول العدوان لا يزال مفتوحاً، والقدرات الصاروخية وسلاح الجو المسير الذي شل حركة الملاحة الصهيونية قادر على تدفيع المعتدين أثماناً باهظة في شرايينهم الحيوية إذا ما فكروا في إعادة تدوير التصعيد عبر أدواتهم.

واللقاءات التي تعقد في الرياض لتقاسم إدارة الفشل لن تعيد عقارب الساعة إلى عام 2015؛ فاليمن اليوم يمتلك زمام أمره وقراره السيادي بحنكة القيادة وبقوة السلاح وعدالة القضية، وأي محاولة لبناء تحالف جديد لمواجهة صنعاء ستنتهي إلى المصير ذاته الذي آلت إليه كل المؤامرات السابقة.

والطريق الوحيد والآمن لأمن المنطقة يبدأ من الإقرار بالهزيمة، ورفع الحصار بالكامل، وسحب كل القوات المحتلة من كل شبر من أرض اليمن ومياهه، دون قيد أو شرط.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب