السعودية أمام هزيمتين في اليمن
إيهاب زكي*
صدمة عنيفة كانت سيطرة حكومة صنعاء على أكثر من خمسة آلاف كم²، بما فيها ميناء المخا وصولًا إلى باب المندب وجزيرة بريم (ميون)، وذلك في عدة ساعات، هدمت ما بنته السعودية في 11 عامًا، هذه الصدمة التي نزلت كالصاعقة على رؤوس كل المنتظرين لاجتثاث حركة أنصار الله، لم يكن سببها سوى العالم الموازي الذي يعيش فيه هؤلاء، حيث قبل اشتعال فتيل المعارك، كان يتم إغراق وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، ومواقع التواصل الاجتماعي، بازمةٍ أضحت يقينًا في عقول المتلقّين، وهي أنّ التحشيدات التابعة للعدو السعودي قاب قوسين أو أدنى من دخول صنعاء، وعلى مرمى قرارٍ من تحريرها، وما على "أنصار الله" سوى الاستسلام أو الهروب.
وإذا كنت قد استهجنت تلك التصورات الساذجة، عسى أن يكون سيل الاستنكارات والإدانات الجارف، لفرية استهداف صنعاء للكعبة، أزاح بعضًا من استهجانك، مع إدراكك شيخوخة تلك العقليات وضمورها، لذلك فهي رغم الوقائع التي تهدم تصوراتهم كأنّها لم تكن، لا زالت تتبنى خزعبلات المعارك المحتدمة واستعادة المناطق التي دخلتها قوات صنعاء.
ومن خلال هذه الشائعات والكذب البواح، الذي يمارسه الإعلام المموَّل نفطيًا، تحاول السعودية إطالة أمد العدوان وتحشيد المرتزقة، كما تحاول من خلال فرية استهداف صنعاء للكعبة، إكساب العدوان شرعية دينية وأخلاقية، رغم معرفة السعودية المسبقة، أنّها خارج شرعية "الشيكات"، لا تمتلك أيّ مشروعية، ولكنها قد لا تدرك أن استبدال دبلوماسية "الشيكات" بدبلوماسية العناد، غير قابلة للصرف مع طرفٍ يمتلك كل أدوات فرض الشروط.
ويظل السؤال هنا عن خيارات السعودية، في هذا المأزق الذي دخلته عن سبق عنجهيةٍ وتبعية، وليس أمامها سوى خيارين، الأول هو الإصرار على مواصلة الحصار على اليمن، مع محاولات مضنية لإعادة لملمة شتات التحشيدات التابعة لها، والتي تناحرت حتى وهي تهرب من جبهات المخا ومأرب وتعز، مع تكثيف الغارات الجوية وتعظيم الكلفة على اليمنيين، وهي سياسة "إسرائيلية" وأمريكية.
كذلك استمرار الرهان على تحالفاتٍ بغضّ النظر عن مسمياتها وتعدادها، وهي الأحلاف التي فشلت في أولى تجاربها، حيث وجدت السعودية نفسها وحيدة، مع أول طلقةٍ أطلقها الجيش اليمني على المجاميع السعودية، حتى الولايات المتحدة التي دفعت السعودية للتنصل من استحقاقات اتفاق الهدنة عام2022، رفضت دخول المعركة بشكلٍ مباشر.
ويعود هذا الرفض لعدة أسباب، منها أنّ الولايات المتحدة منهمكة في حربٍ مع إيران، ولا تريد تشتيت جهدها، كذلك فهي جربت حرب اليمنيين في إدارتين أمريكيتين أثناء حرب الإسناد، التي خاضها اليمن نصرةً لغزة إبّان حرب الإبادة، وكانت النتيجة الهروب من البحر الأحمر والتخلي الأمريكي عن "إسرائيل"، مقابل أن يوقف اليمن استهداف السفن الأمريكية، وهذا ما حصل، حيث استمرت القوات اليمنية باستهداف الملاحة "الإسرائيلية" وحصار ميناء "إيلات" على مرأى الأساطيل الأمريكية دون التجرؤ على التدخل.
كذلك من أسباب الرفض الأمريكي للطلب السعودي بالتدخل المباشر، هو نقص مخزونات السلاح الدفاعي الأمريكي، خصوصًا صواريخ الدفاع الجوي، والدخول المباشر يعني المزيد من الاستنزاف الصاروخي. ولكن من أهم أسباب الرفض هو تشريع توجه السعودية إلى "إسرائيل" لطلب المعونة، رغم أنّ هذه المعونة قائمة كما التعاون في كثيرٍ من المحطات.
أمّا بخصوص الخيار الثاني، فهو أن يمتلك حكام الرياض شجاعة الاعتراف بالعجز والفشل، والذهاب نحو رفع الحصار برًا وبحرًا وجوًا عن اليمن، والتوقف عن التدخل في الشؤون اليمنية الداخلية، وإدراك ما يمكن استدراكه من علاقات طبيعية، ووضع استراتيجية شاملة مشتركة لإنهاء آثار العدوان الممتد منذ 11 عامًا.
هذان خياران سيئان بالنسبة للسعودية، فكلاهما يشكّل هزيمة، الخيار الأول هو استنزاف طويل الأمد، وستكون له آثار عميقة على الاقتصاد السعودي والثروة السعودية ومشاريع الانفتاح ورؤية 2030 المترنحة، وقد يصل إلى حدود الخطورة على العرش السعودي، أو أقله وراثة بن سلمان للعرش، أمّا الخيار الثاني فهو اعترافٌ بالفشل والهزيمة، ورغم ذلك فهو الأقل ضررًا والأقل كلفةً، لكنه الأكثر وجاهة، وسيكون بمثابة هزيمة مع حفظ ماء الوجه، لا سيما إن تمّ إخراجه بشكلٍ لائق.
ويبقى السؤال هل من خيارٍ ثالث تملكه السعودية؟ أو بالأحرى هل من سبيلٍ ثالث للهزيمة؟ حتى الآن لا يبدو في الأفق غير خيارين وهزيمتين، على أيّ الجنبين اختارت الرياض أن تميل، والأرجح أن تختار ما يختاره ترمب، وهو الخيار الأول، لأنّه يريد هذه الحرب جزءًا من حربه على إيران أولًا، وغطاءً لتطبيعٍ سعودي "إسرائيلي" علني ثانيًا.
* كاتب فلسطيني من غزة
* المقال نقل من موقع العهد الاخباري ويعبر عن رأي الكاتب

