جوع بريء يقود للموت.. الطفلة أمل المغير شهيدة لقمة الفلافل في غزة
السياسية - وكالات:
لم تكن الطفلة أمل المغير (8 أعوام) تعلم أن رحلتها القصيرة لشراء الفلافل ستكون الأخيرة. غادرت خيمة نزوح عائلتها بخطوات طفولية تبحث عن لقمة تسد جوعها، لتعود محمولة شهيدة.
تقول والدتها سحر المغير (41 عاماً) لصحيفة "فلسطين أونلاين"، إن العائلة عادت للتو من حفل زفاف إلى خيمتها، وما إن شعرت أمل بالجوع حتى استأذنت والدها قائلة أريد أن أشتري شيئاً آكله، فأجابها بحنان: "روحي اشتري اللي بدك إياه"، لتخرج ولا تعود إلا شهيدة.
توجهت الطفلة نحو كشك لبيع الفلافل، ورفضت عرض إحدى شقيقاتها بمرافقتها، مصرة على الذهاب وحدها. لكن طائرات العدو الإسرائيلي لم تمهلها؛ شنت غارة مباغتة على المكان، حاولت أمل الفرار من القذيفة الأولى، قبل أن يباغتها صاروخ ثانٍ أصابها مباشرة.
"أول صاروخ شردت منه، والثاني نزل على صدرها"، تقول الأم بنبرة يمزقها القهر، قبل أن تتساءل بحرقة: "شو ذنب الأطفال هدول؟ هادي الطفلة شو عملت؟ راحت تشتري فلافل... وبدل ما ترجع بالأكل، رجعولي إياها جثة".
لم تعد تلك الأمتار الفاصلة بين الخيمة وبائع الفلافل مجرد طريق ترابي، بل تحولت إلى خط النهاية لحياة أمل الغضة. قبل ساعات فقط من استشهادها، كانت الطفلة تعيش شغف الاستعداد للعودة إلى مقاعد الدراسة في الصف الثالث بمدرسة "المستقبل".
طلبت من والدتها زيًا جديدًا وحقيبة مدرسية، فوعدتها الأم: "اصبري لأول الشهر، وأجيب لك كل اللي بدك إياه".
كانت أمل متفوقة على أقرانها بفطرتها؛ فرغم حرمانها من مرحلة الروضة بسبب ظروف الحرب، فإنها أتقنت القراءة والكتابة وحل واجباتها بمفردها. وكان طموحها يتجاوز مقاعد الدراسة وزيها الجديد: "كانت تقولي: يما، بدي أطلع دكتورة عشان أعالج الأطفال المصابين بالحرب".
كانت تود لو تضمد جراح أطفال يشبهونها، قذفت بهم حرب الإبادة الإسرائيلية في أتون الألم. حتى خيمة النزوح، حاولت الأم تحويلها إلى صف دراسي مؤقت، واعدةً ابنتها بإحضار طاولة وكرسي لتتابع دروسها، فكانت الصغيرة تمازحها ضاحكة بأنها مجرد وعود.
اليوم، انطفأ الحلم الصغير؛ لن تجلس أمل على مقعدها، ولن تحمل حقيبتها الجديدة، ولن ترتدي معطف الطبيبة البيضاء. لم تلتحق بفصلها الدراسي، ولم تصل حتى إلى دكان الفلافل.
تختم سحر حديثها بمرارة تصف واقع القطاع: "أكبر حلم للصغير أن يلعب بالشارع"، لكن الشوارع تحولت إلى مصائد للموت تتربص بالأطفال في كل خطوة.
وحين تُسأل عن الأمان في غزة، تقطع بصوت مبحوح: "ما فيش مكان آمن! لا تقولي لي دير البلح ولا غيرها... غزة ما فيها ولا شبر آمن".
رحلت أمل، وتركت خلفها خيمة موحشة ودفاتر لم تكتمل، وحلمًا بأن تشفي جراح الصغار، قبل أن تُردى بصاروخ لم يرحم براءتها.

