ابراهيم مجاهد صلاح*

يُثبت حزب الإصلاح يوماً بعد آخر براعته الفائقة في ممارسة البراغماتية السياسية بأقصى درجاتها، متكئاً على استراتيجية تقوم على استثمار المتناقضات وتوظيف دماء خصوم الأمس وشركاء اليوم.
لقد أجاد الحزب بذكاء سياسي حاد تحويل الخسائر والتضحيات التي تكبدها حلفاؤه اللدودون إلى رصيد خالص يعزز نفوذه. وعبر إحكام قبضته وتوجيهه لدفة ما يُعرف بـحكومة الفنادق، نجح الحزب في هندسة عملية إقصاء ناعمة وعميقة أزاحت أبرز شركائه الخصوم، أمثال طارق صالح وعيدروس الزبيدي، ليتفرد هو بواجهة القرار السياسي والمشهد التفاوضي.

وبعد أن أتم الحزب بنجاح عملية تجريف الساحة من منافسيه السياسيين والعسكريين البارزين داخل معسكره، لم يتبقَ أمامه اليوم كحجر عثرة سوى قوات "العمالقة الجنوبية (السلفيين) ويسعى الإصلاح جاهداً للتعامل مع هذه العقبة الأخيرة وتحييدها وقد بدأ بذلك من خلال إعطاء احداثيات للطيران السعودي ليقضي عليها وهذا ما صرح به عبدالرحمن الصبيحي أحد قادة قوات العمالقة مؤخراً، لضمان خلو الساحة تماماً من أي فصيل أو قوة قد تزاحمه على كعكة السلطة، تمهيداً لخطوته الاستراتيجية الكبرى.
تتجلى ذروة هذا الدهاء السياسي في المقاربة التي يعدها الحزب لترتيب علاقته المستقبلية مع صنعاء. فالإصلاح يقرأ التحولات جيداً، ويعرف جيداً أن صنعاء اليوم قوة لا يستهان بها وهو ليس ند لها، وهو مستعد تماماً للتجاوب مع صنعاء وتقديم تنازلات ميدانية كبرى تتمثل في تسليم محافظة مأرب سلمياً وتجنيبها ويلات الحرب.

لكن هذا الموقف السلمي ليس تنازلاً مجانياً، بل هو مبني على شرط جوهري وصفقة سياسية قاطعة أن يكون حزب الإصلاح هو الشريك الوحيد والحصري لصنعاء في أي حكومة يتم تشكيلها مستقبلاً
بهذه المناورة، يضرب حزب الإصلاح عصفورين بحجر واحد، فهو يحافظ على معقله في مأرب من الاستنزاف العسكري، وفي الوقت ذاته يُجهز على كل من تبقى من حلفائه وشركائه السابقين بإقصائهم نهائياً من أي تسوية قادمة.
إنها هندسة سياسية بالغة الدهاء، يضمن بها الحزب الانتقال السلس من مظلة إدارة حكومة المنفى، إلى احتكار الشراكة في حكومة المستقبل، متسلقاً بثبات على أنقاض حلفائه قبل خصومه.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب