النظام السعودي ودوره في تكريس التفوق العسكري للكيان
السياسية || محمد محسن الجوهري*
قبل تأسيس الكيان الصهيوني كان العالم ينظر لليهود على أنهم أمة جبانة وضعيفة ويسهل سحقها، وهذا ما كانت تفعله أوروبا على مدى أكثر من ألف عام، ولذلك سعى اليهود إلى بناء كيان دموي يمحو هذه النظرة الانتقاصية ويظهرهم كقوة عظمى لا تقبل الهزيمة، وهذا لا يمكن أن يتحقق بدون تحالفات سياسية أخرى تحمي "إسرائيل" في الوقت الذي تمارس فيه السحق المطلق لشعوب المطلقة. هذا بالضبط ما أشار إليه القيادي الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي في مقالته الشهيرة التي نشرها عام 1923 بعنوان "الجدار الحديدي" الذي أسس العقيدة التاريخية التي تأسس عليها كيان الاحتلال.
وتُعد "عقيدة الجدار الحديدي" النواة الفكرية والأساسية التي ترتكز عليها النظرية الأمنية والعسكرية الإسرائيلية حتى يومنا هذا، حيث يتخذ منها قادة الاحتلال، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، منهجاً ثابتاً لإدارة الصراع وترسيخ منطق القوة المطلقة، بالتوازي مع تحالفات سياسية لحماية الكيان من الحرب الشاملة التي يخشاها مع العرب.
وفي السياق ذاته، يوضح المؤرخ الفلسطيني "نور مصالحه" في كتابه "نكبه فلسطين" أنه بعد النكبة، ابتكر الفكر الصهيوني مفهوم "الرجل العبري الجديد" أو "الرجل الحديدي"، بغية طمس الصورة التقليدية لليهود الضعفاء والمشتتين التي سادت في أوروبا طويلاً. وقد تبلورت طبقة كاملة من الساسة والعسكريين الذين تبنوا هذا الفكر بحذافيره، وفي مقدمتهم "ديفيد بن غوريون"، الذي نظر لفكرة عدم وجود حدود نهائية لإسرائيل، معتبراً أن تحديد حدود جغرافية للكيان يعني نهايته، ومؤكداً أن ما سماها "الدولة" يجب أن تظل في حالة حروب مستمرة لتثبت قوتها أمام مواطنيها وأعدائها على حد سواء.
أما عن التحالفات التي تبقي تل أبيب في مأمن فقد ظهرت جلية خلال طوفان الاقصى الذي كاد أن ينهي الكيان لولا التحالف السني بقيادة السعودية وتركيا، وهو المحور الذي شل حركة الأمة من الداخل وأحبط أي جهود من شأنها أن تنصر الشعب الفلسطيني وتؤدي إلى دحر الكيان، ومع ذلك يظهر نتنياهو متحدثاً عن محور سني يتشكل وأن هذا المحور يهدد مستقبل الكيان، خاصة مع ظهور فكرة "إسرائيل الكبرى" للواجهة من جديد، ومجاهرة نتنياهو بقرب إعلانها.
السؤال هنا: لو كان المحور السني يريد التخلص من الخطر الصهيوني الزاحف عليه، ألم يكن الأحرى به أن يساند حركات المقاومة في فلسطين ولبنان بدلاً من محاربتها؟
لم يكن خافياً أن النظام السعودي بذل جهوداً مضنية لضرب أعداء إسرائيل، بدءً من حزب الله في لبنان ثم حماس في غزة وحتى إيران والمقاومة العراقية، قبل أن يشن عدوانه المشؤوم على اليمن بتوجيهاتٍ غربية، ومن غير البدهي أن سيكون لهذا النظام أي مواقف من شأنها ردع الكيان الصهيوني، وبالتالي فإن الحديث عن تأسيس محور سني جرى التوقيع عليه في مكة المكرمة لا يمكن فصله عن الحديث حول تأسيس إسرائيل الكبرى، فقد يكون الحلف مقدمة لخذلان الأمة تمهيداً لنكبة أخرى لا تقل رعباً عن نكبة 1948.
وعلينا -أيضاً- ألا نغفل دور السعودية التاريخي في النكبة الأولى، فاتفاقية "دارين" التي تنازل فيها مؤسس السعودية عن فلسطين لليهود وتعهده بحماية كيانهم حجة كبيرة على العرب والمسلمين، وأي تضامن مع السعودية هو تضامن غير مباشر مع الكيان، وما تخفيه السياسة السعودية من تصهين يظهر جلياً في إعلامها، وما تروج له قنوات العربية وأخواتها ما يكفي لإثبات الدور لصهيوني القذر لآل سعود.
وبالعودة إلى مقال جابوتنسكي الذي تحدث عن ضرورة خلق هزائم كبرى للعرب والمسلمين حتى يفقدوا الأمل في هزيمة إسرائيل، فإن تحالف الرياض الجديد سيكون سبباً في هزيمة أخرى للعرب لترسيخ مبدأ "التفوق الإسرائيلي" وهذا ما ستثبته الأيام عما قريب، رغم أننا كشعبٍ يمني مع أي جهود معادية للكيان الصهيوني وعلى استعداد لنصرة أي طرف معادٍ لتل أبيب حتى لو كان من أعدائنا، ولكن في التاريخ حجة كبيرة علينا حتى لا نتُلدغ الأمة مرتين من الجحر السعودي.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

