"رواد الباشان" حركة استيطانية صهيونية تستهدف سوريا وتتحصن خلف مزاعم دينية وتاريخية
السياسية - تقرير//
لم تعد جرائم الاستيطان الصهيوني تقتصر على الأراضي الفلسطينية المحتلة، فبعد عقود من مصادرة الأرض وتهجير السكان وبناء المستوطنات في الضفة والقدس، تمتد أطماع العدو اليوم إلى خارج حدود فلسطين.
وتشير معطيات ميدانية إلى تحركات استيطانية جديدة يسعى العدو من خلالها لفرض واقع استيطاني في أجزاء من سوريا ولبنان، في إطار مشروع توسعي لا يعترف بحدود.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تأتي في سياق محاولة فرض ما يسمى بـ "إسرائيل الكبرى" بالقوة، وترسيخ احتلال دائم في جوار فلسطين تحت ذرائع أمنية وعسكرية.
ففي يوم الثلاثاء 11 أغسطس، زعم جيش العدو الإسرائيلي، أنه أعاد ثلاثة مستوطنين صهاينة تسللوا إلى الأراضي السورية.
ووفق موقع "سوريا نيوز"، قال جيش العدو الإسرائيلي في بيانٍ، أنه "خلال الليلة الماضية، وصل ثلاثة إسرائيليين إلى منطقة جبل الشيخ، واجتازوا الحدود إلى داخل الأراضي السورية"، في حين "هرعت قوة من الجيش إلى المكان، وعثرت عليهم، وأعادتهم إلى "إسرائيل"، وتمّ تحويلهم إلى الشرطة للتعامل معهم".
وحذّر جيش العدو في بيانه من أن عملية التسلل تُشكل "عرقلة خطيرة" لعملياته، ويعرض أمن قواته في المنطقة للخطر، حد تعبيره.
كما أوضحت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، أن المتسللين من حركة "رواد الباشان"، التي تدعو إلى إقامة مستوطنات إسرائيلية في جنوبي سوريا.
وفي 22 يوليو الماضي، زعم جيش العدو الإسرائيلي، إحباط محاولة جديدة نفذها مستوطنون إسرائيليون للتسلل إلى الأراضي السورية عبر منطقة جبل الشيخ.
وينتمي المستوطنون كذلك إلى حركة "رواد الباشان" اليمينية.
وقال الجيش، في بيان، إن عددا من الإسرائيليين وصلوا إلى منطقة جبل الشيخ بهدف العبور إلى الأراضي السورية، قبل أن تمنعهم قواته وتوقفهم، وفق تعبيره.
وتعد هذه أحدث محاولة لمستوطنين "إسرائيليين" عبور الحدود إلى سوريا، بعد تكرار حوادث مماثلة خلال الأسابيع الأخيرة.
وسبق أن تسلل عناصر من حركة "رواد الباشان" إلى الأراضي السورية، في إطار مساعيها لإقامة بؤر استيطانية في جنوب البلاد.
وفي 27 نوفمبر 2025، أعلنت تنفيذ أول محاولة علنية "لوضع أول وتد" داخل الأراضي السورية، وفي 5 يوليو 2026، اقتحم نحو 70 مستوطناً أطراف قرية حضر في ريف القنيطرة.
كما جمع مستوطنون توقيعات على عريضة تطالب أعضاء ما يسمى المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية "الكابينت" ، بإقرار الاستيطان في مناطق سورية يطلقون عليها اسم "باشان".
مَن يقف خلف الحركة وما هي أهدافها؟
تقود الحركة مجموعة من المستوطنين اليمينيين القادمين من مستوطنات الجولان والضفة الغربية. ويبرز في قيادتها الأكاديمي في جامعة "أريئيل" عاموس عزاريا، إلى جانب جوناثان ليفي، المنسق الميداني. وتنشط الحركة عبر جمعية "ورثتموها" المرتبطة بحركة "أوري زافون" الاستيطانية.
وتتبنى "رواد الباشان" خطاباً دينياً قومياً تزعم فيه وجود "حق تاريخي" لليهود في منطقة واسعة تطلق عليها اسم "باشان" التوراتي، والتي تشمل، بحسب مزاعمها، حوران والجولان واللجاة والسويداء، وتمتد إلى شمال الأردن.
وهدفها المعلن هو إقامة بؤر استيطانية خلف خط فض الاشتباك في جنوب سوريا، بحجة "تأمين الجولان" و"حماية الأقليات" وخاصة الدروز، وصولاً إلى إنشاء ما تصفه بـ "ممر إنساني" يربط "إسرائيل" بمنطقة السويداء.
وتشمل أساليبها قطع السياج الحدودي بأدوات كهربائية، وإقامة بؤر مؤقتة، وتنظيم فعاليات رمزية بمشاركة قاصرين داخل الأراضي السورية، وتوثيق ذلك ونشره.
ويقول مؤسسها، عاموس عزاريا، في تصريحات لصحيفة "يديعوت أحرونوت" إن هدف المرحلة الأولى هو "تطبيع وجودهم داخل سوريا" على غرار نموذج البؤر الاستيطانية في الضفة، بحيث ينتقل النقاش لاحقاً من مسألة الوجود إلى مسألة البناء والشرعنة.
قلق متزايد في جنوب سوريا
أثارت تحركات هذه المجموعات حالة من القلق المتزايد في جنوب سوريا، في ظل دعوات متصاعدة لإقامة مستوطنات بمحاذاة الشريط الحدودي.
وقال مراسل التلفزيون العربي في دمشق، خالد الإدلبي، إنّ دخول هذه المجموعات إلى الأراضي السورية “ليس حدثًا جديدًا”، مشيرًا إلى تكرار عمليات التسلل إلى المنطقة العازلة، بالتوازي مع توغلات ينفذها جيش العدو الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.
وأوضح الإدلبي أن المنطقة تشهد أيضًا عمليات تجريف لأراضٍ زراعية، ومنع السكان من الوصول إلى المراعي، فضلًا عن حفر “خندق اعتراضي” داخل المنطقة العازلة، الأمر الذي يُثير مخاوف الأهالي من وجود خطوات تمهيدية لتوسّع استيطاني داخل الأراضي السورية.
وأضاف أنّ بعض سكان القرى الحدودية بدأوا بعرض أراضيهم ومنازلهم للبيع ومغادرة المنطقة، خشية تصاعد الضغوط الأمنية واتساع النشاط "الإسرائيلي" قرب الحدود.
وبحسب شهادات محلية، فإنّ جيش العدو الإسرائيلي يتدخّل أحيانًا لإخراج المستوطنين من الأراضي السورية، إلا أنّ احتجازهم لا يستمرّ سوى لساعات محدودة، من دون اتخاذ إجراءات عقابية حقيقية بحقّهم، ما يُعزّز وفق الأهالي، الانطباع بوجود “دعم غير مباشر” لهذه التحركات.
وأشار المراسل إلى أن سكان المنطقة يتحدثون عن “حالة ترهيب” تشمل اعتقالات ومنعًا للرعي والوصول إلى الأراضي الزراعية، وسط مخاوف من محاولات لدفع السكان إلى مغادرة القرى الحدودية تمهيدًا لإقامة مستوطنات، خصوصًا داخل المنطقة العازلة.
الطرحَ الدينيَّ ومشروع “إسرائيل الكبرى”
تقول الكاتبة مرام موسى في موقع "نون بوست"، إن الطرحَ الدينيَّ التوراتي يوظف أيضًا في إعادةُ إحياء مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي يهدد دولًا عربية بينها سوريا، وهو ما عمل مسؤولون "إسرائيليون" على الترويج له خلال العام الأخير، ومن أبرز التصريحات التي عكست تبنّي “إسرائيل” لهذه الرؤية، ما عبّر عنه رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حين تحدث عن شعوره بأنه يؤدي “مهمة تاريخية وروحية” لتأسيس ما يُعرف بـ”إسرائيل الكبرى”.
ولا يقتصر الأمر على التصريحات السياسية فحسب، إذ أثارت صورة متداولة لجندي "إسرائيلي" يرتدي بزة عسكرية تحمل خريطة تضم أراضٍ عربية ضمن حدود “إسرائيل”، موجة غضب واسعة في الأوساط العربية، باعتبارها مؤشرًا على استمرار العدو الاسرائيلي في الترويج لهذا التصور التوسعي.
ويستند مشروع “إسرائيل الكبرى” إلى سرديات توراتية تعتبر أن حدود “أرض الميعاد” تمتد “من نهر مصر إلى الفرات”، وهي الفكرة التي شكّلت أحد المرتكزات الفكرية المبكرة للحركة الصهيونية، وقد وضع تيودور هرتزل الأساس السياسي لهذا التصور في كتاباته ومذكراته، حيث انتقل المفهوم من فكرة “الوطن اليهودي” المطروحة دبلوماسيًا إلى تصور أكثر اتساعًا لدولة تشمل أجزاءً من سيناء والأردن ولبنان وسوريا، وبما أن نهر الفرات يمثل الحد الشرقي لهذه الرؤية، فقد اعتُبرت مساحات واسعة من الجغرافيا السورية جزءًا من النطاق التوراتي الذي ينبغي أن تندرج داخله الدولة اليهودية المستقبلية المزعومة.
حشد سياسي ودعم من داخل الحكومة
ولم يقتصر نشاط الحركة على الميدان. فقد عملت بالتوازي على حشد دعم سياسي داخل الكيان. ففي أواخر نوفمبر 2025 نظمت مؤتمراً في القدس المحتلة شارك فيه حاخامات وسياسيون يمينيون بينهم الحاخام يسرائيل أريئيل وعضو الكنيست السابق موشيه فيغلين.
كما أعلنت الحركة عن لقاءات مع وزراء وأعضاء كنيست من بينهم وزير الاتصالات شلومو كرعي، لبحث "البنية التحتية" في المنطقة، ووزير الأمن القومي المتطرف، إيتمار بن غفير، ووزير المالية المتطرف، بتسلئيل سموتريتش. وتزعم أنها حصلت على تأييد 23 وزيراً وعضو كنيست.
وتوسع الحركة تحالفاتها مع تنظيمات استيطانية متطرفة أخرى، أبرزها حركة "نحالا" الداعية للاستيطان في غزة، وحركة "أوري تسافون" التي تستهدف جنوب لبنان. وفي يوليو 2025 وقعت "رواد الباشان" و"نحالا" رسالة مشتركة لوزير الدفاع تطالبان فيها بتنظيم جولة استيطانية في شمال غزة.
خطاب تحريضي واستغلال "حماية الأقليات"
إلى جانب العمل الميداني والسياسي، تروج الحركة لخطاب تحريضي صريح. ففي منشور على صفحتها في فيسبوك بتاريخ 1 أبريل 2026 جاء: "سيُطرَد جميع أبناء السنة والشيعة الموجودين في منطقة الباشان".
وتوظف الحركة فكرة "حماية الأقليات" كأداة لخدمة مشروعها، عبر ربط التمدد نحو السويداء وحضر ودرعا بفكرة دعم الدروز ودفعهم نحو الارتباط بـ"إسرائيل".
فرصة تاريخية لتوسيع النفوذ
وقال موقع "ميدل إيست أونلاين" في تقرير، إن فكرة الحركة تقوم على اعتبار أن التطورات التي أعقبت انهيار سلطة دمشق المركزية وفرت "فرصة تاريخية" لتوسيع النفوذ "الإسرائيلي" خارج حدود الجولان المحتل، خصوصا في المناطق العازلة وسفوح جبل الشيخ.
ويرى مراقبون أن "هذه التحركات لا يمكن فصلها عن صعود اليمين القومي والديني داخل "إسرائيل"، والذي يدفع باتجاه توسيع مفهوم "إسرائيل الكبرى"، ومحاولة استثمار الفوضى الإقليمية لإعادة رسم خرائط النفوذ. كما تستفيد الجماعات الاستيطانية من وجود شخصيات نافذة داخل الحكومة "الإسرائيلية" الحالية تتبنى خطابا متشددا تجاه سوريا، وتعتبر أن أي انسحاب أو تراجع عن المناطق التي دخلها الجيش الإسرائيلي بعد عام 2024 يشكل "خطرا أمنيا" على "إسرائيل" ".
ويعتقد محللون، وفق المصدر السابق، أن الجماعات الاستيطانية تراهن على عامل الوقت، وعلى استمرار الانشغال السوري بالأزمات الداخلية، من أجل تثبيت وجود دائم جنوب سوريا، مستفيدة من غياب ردع دولي فعّال، ومن حالة السيولة الأمنية، التي تعيشها البلاد منذ سنوات الحرب.
وختاما، فإن تحركات "رواد الباشان" تكشف عن مرحلة جديدة في المشروع الاستيطاني الصهيوني، فهي حركة بدأت كمجموعة هامشية، وخلال عام واحد تحولت إلى لاعب يبني شبكة علاقات سياسية ودينية وقانونية داخل سلطات العدو، ويختبر حدود الرد السوري والدولي.
وخطرها لا يكمن فقط في اقتحاماتها، بل في محاولتها تحويل الوجود العسكري المؤقت في جنوب سوريا إلى استيطان دائم، كحلقة ضمن مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي لا يعترف بالحدود.
سبأ

