لكل مخطط إجرامي مسوغات منطقية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
لم تكن الحروب في تاريخ البشرية مجرد مواجهات عسكرية بالمدافع والصواريخ، وانما بدأت جميعها على شكل حروب ناعمة تصاغ خطوطها العريضة في الغرف المغلقة. وفي منطقة الشرق الأوسط، يبرز الإعلام الخليجي كأحد أبرز الفاعلين في هندسة المشهد السياسي والدعاية الموجهة، حيث يرتدي الخطاب الإعلامي قناع "الحرص على الأمن القومي" لتمرير أهداف جيوسياسية أعمق، تُسخّر لتحقيقها كل أدوات الشيطنة والشرعنة المصنوعة.
منذ عقود، اعتمد الإعلام الخليجي استراتيجية بناء العدو البديل، حيث أُخرج الاحتلال الإسرائيلي تدريجياً من خانة الخطر الوجودي للأمة، لِيُحلّ محلّه "الخطر الإيراني" كتهديد أول ومباشر للأمن الإقليمي. وتعتمد هذه الحملات على تضخيم البعد المذهبي والأيديولوجي لتحويل الخلافات السياسية إلى صراع عقائدي يثير الشارع العربي وشحنه عاطفياً، مع التركيز على إبراز دعم طهران لحركات المقاومة بوصفه عدواناً مطلقاً يهدد سيادة الدول، وإغفال سياقات المقاومة ومواجهة الاحتلال، فضلاً عن تقديم أي تحرك ضد إيران على أنه دفاع مشروع عن النفس يتوافق مع مقتضيات القانون الدولي.
ويدور المأزق الأكبر حول كيفية إيجاد مسوغات قانونية وسياسية تخدم المصالح الصهيونية تحت عباءة المصلحة العربية. وعملية شيطنة إيران تلك كانت تمهد الطريق لشرعنة التطبيع، ونقل العلاقات مع الكيان الإسرائيلي من مربع السريّة إلى التحالف الاستراتيجي العلني تحت ذريعة مواجهة العدو المشترك. ويسوّق هذا التحالف عبر الالتفاف على مفهوم الأمن القومي العربي لتبرير التحالفات الأمنية التي تضم الكيان الإسرائيلي، وتقديم العقوبات والحصار ضد الشعب الإيراني كخطوات ضرورية للحفاظ على السلم، مع توصيف أي محاولة لردع العربدة الصهيونية بأنها "إرهاب وتدخل إيراني"، مما يعفي الاحتلال من مسؤولياته الجنائية تجاه جرائمه.
إن الخطورة الحقيقية لمساعي الإعلام الخليجي لا تقف عند حدود المكايدة السياسية، بل تمتد لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها الحقوقي والقانوني. فعندما يُصوّر الإعلام الحركات المناهضة للاحتلال كـ "أدوات إيرانية" فقط، يتسنى للاحتلال الصهيوني ارتكاب أبشع الجرائم والانتهاكات تحت مبرر محاربة النفوذ الإيراني وبغطاء وتبرير عربي. وفي النهاية، يظل التاريخ شاهداً على أن الإعلام عندما يتخلى عن دوره الأخلاقي، يتحول إلى أداة لشرعنة المخططات الإجرامية؛ وصياغة المسوغات القانونية لخدمة المصالح الصهيونية عبر شيطنة الجوار الإقليمي لن تمنح الأمان للمنطقة، بل تكرّس حالة التبعية وتفتح الأبواب أمام اختراق أعلى لسيادة الأمة ومقدراتها.
ويأتي توقيع اتفاق الدفاع والتكامل الأمني والمحور الثلاثي الذي جمع السعودية وباكستان وتركيا في مكة ليطرح تساؤلات حادة حول وظيفته الجيوسياسية الحقيقية؛ إذ يرى مراقبو السياسات الإقليمية أن تسويق هذا التحالف ببعده الإسلامي والدفاعي لا يعدو كونه مناورة استراتيجية لإعادة توزيع أدوار الحماية. يهدف هذا الترتيب إلى إيجاد غطاء إقليمي متعدد الأقطاب يُشتت الأنظار عن الترتيبات الأمنية الجارية مع واشنطن، ويصرف الانتباه عن التنازلات الأمنية الممنوحة للكيان الصهيوني عبر شبكة الدفاع الإقليمي الموجهة ضد محور المقاومة والقضية الفلسطينية.
ليتضح جلياً أن استهداف محور المقاومة ومحاولات حصاره وتفكيكه بشتى المسوغات الأمنية أو السياسية، لا يمكن فصله عن المخطط الأكبر الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية نهائياً. كما إن إضعاف جبهات الإسناد وتجريد الفصائل والقوى المناهضة للاحتلال من مظلتها الداعمة يهدف بشكل مباشر إلى الاستفراد بالشعب الفلسطيني، وإرغامه على القبول بشرعنة الاستيطان، وتهجير أهله، وطمس حقوقه المشروعة في أرضه ومقدساته.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مؤامرة أو تحالف يرفع شعارات الشيطنة والمواجهة ضد حركات وقوى المقاومة تحت ذريعة حماية الاستقرار الإقليمي، ليس سوى أداة عملية لخدمة المشروع الصهيوني، وتسهيل تمرير صفات ومشاريع الهيمنة على حساب قضية الأمة المركزية وجوهر وجودها السياسي والتاريخي.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

