السياسية - تقرير//





تتجه المواجهة بين روسيا والدول الغربية في البحار إلى مرحلة جديدة، مع انتقال الإجراءات الأوروبية ضد السفن الروسية وناقلات النفط المرتبطة بما يسمى "أسطول الظل" من العقوبات الاقتصادية إلى عمليات تفتيش واحتجاز، وما رافقها من تهديدات روسية بالرد بالمثل واستهداف سفن تابعة للدول التي تشارك في هذه الإجراءات.

ويأتي التصعيد في وقت تكثف فيه الدول الأوروبية ضغوطها على قطاع الطاقة الروسي، في محاولة لتقليص عائدات موسكو، بينما ترى روسيا أن الغرب يستخدم العقوبات والقدرات البحرية لفرض حصار اقتصادي على تجارتها وفرض قواعد أحادية الجانب على الملاحة الدولية.

تهديدات بالرد

وفيما ترى روسيا أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكًا لحرية الملاحة والقانون البحري الدولي، هدد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال إشرافه على مناورات بحرية في أقصى شرق البلاد، السبت الماضي، إن موسكو سترد بالمثل إذا بدأت الدول الأوروبية في الاستيلاء على السفن التجارية الروسية، مشيرًا إلى أن الرد لن يكون بالضرورة في المناطق التي تتعرض فيها السفن الروسية للاعتراض، وإنما حيثما ترى موسكو ذلك ضروريًا ومناسبًا.

ووصف بوتين عمليات احتجاز السفن الروسية أو المرتبطة بها بأنها قرصنة وسرقة، متهمًا بعض الدول بمحاولة تقييد حركة السفن المرتبطة بروسيا وبيع الممتلكات التي يتم الاستيلاء عليها.

وجاءت تصريحات بوتين بعدما اتخذت بريطانيا والاتحاد الأوروبي إجراءات ضد عدد من السفن التي يشتبه في ارتباطها بأسطول الظل الروسي، الذي تقول الدول الغربية إنه يضم ناقلات تستخدم لنقل النفط الروسي بعيدًا عن القيود والعقوبات.

وفي السياق ذاته، هدد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأن موسكو ستحدد بنفسها السفن التي يمكن استهدافها رداً على محاولات غربية احتجاز السفن التجارية الروسية، محذراً من تداعيات ما وصفه بالتصعيد الأوروبي ضد الملاحة المرتبطة بروسيا.

وقال لافروف، في تصريحات نقلتها وكالة"سبوتنيك"، إن روسيا ستختار أهدافها بنفسها، موضحاً أن السفن التي تعمل لصالح دول اتخذت من السرقة والقرصنة سياسة رسمية قد تصبح ضمن نطاق الرد الروسي، وأن موسكو هي التي ستقرر كيفية التعامل معها.

وانتقد الوزير الروسي قرار الاتحاد الأوروبي تصنيف السفن التي تعتبرها بروكسل مخالفة لعقوباتها ضمن ما يسمى «أسطول الظل»، معتبراً أن هذه السياسة تستهدف قدرة روسيا على تحقيق عائدات من تجارتها في الأسواق العالمية.

واتهم لافروف النخب الأوروبية بمحاولة فرض قراراتها باعتبارها أعلى من قواعد القانون الدولي، محذراً من أن هذا النهج يفتح الباب أمام تصعيد خطير في المجال البحري، ويحوّل العقوبات الاقتصادية إلى إجراءات تمس حركة السفن والتجارة الدولية.

بدوره أعلن قائد أسطول المحيط الهادئ الروسي، فيكتور لينا، أن القوات الروسية تمتلك القدرات والوسائل اللازمة لتفتيش واحتجاز سفن الدول غير الصديقة، بما فيها السفن المرتبطة بأسطول الظل.

وقال لينا، خلال إفادة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن القوات الروسية أجرت تحليلاً مفصلاً لحركة الملاحة البحرية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مؤكداً امتلاكها معلومات بشأن مسارات السفن وحمولاتها وأعلام الدول التي ترفعها، مشيرا إلى أن التنسيق بين الجهات المعنية قد جرى تنظيمه، وأن القوات الروسية مستعدة لتنفيذ مهام التفتيش والاحتجاز، وفقا لوكالة"إنترفاكس" الروسية .

وأوضح قائد أسطول المحيط الهادئ أن 1001 سفينة عبرت المنطقة الاقتصادية الخالصة لروسيا بمحاذاة جزر الكوريل الجنوبية خلال الفترة من 24 أبريل وحتى 6 أغسطس من العام الجاري، بينها 379 سفينة ترفع أعلام دول غير صديقة، منها 273 سفينة شحن جاف و71 ناقلة نفط، مضيفا أن من بين هذه السفن 26 سفينة بريطانية وتسع سفن فرنسية، متهماً الدول الغربية باستخدام سفن ترفع أعلام دول ثالثة لنقل البضائع لمصلحتها.

تداعيات

وفي ظل هذه التصريحات، أكد المحلل العسكري البريطاني، ألكسندر ميركوريس، أن تحذير الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من الرد على أي محاولات غربية لاحتجاز السفن التجارية الروسية ينبغي أخذه بجدية، معتبراً أن تصريحات الرئيس الروسي تمثل أمراً صادراً وليس مجرد إعلان عن نوايا مستقبلية.

وأوضح ميركوريس، في تصريحات نقلها موقع قناة "روسيا اليوم"، أن بوتين وجّه رسالة واضحة إلى الدول الأوروبية بشأن تداعيات المضي في خطط احتجاز السفن الروسية ومصادرة حمولاتها، مشيراً إلى أن موسكو تتعامل مع هذه الإجراءات باعتبارها تصعيداً يستوجب الرد.

واعتبرت وزارة الخارجية الروسية استخدام الاتحاد الأوروبي العملية البحرية "إيريني" لترهيب شركات الشحن التجارية وعرقلة حرية الملاحة ، انتهاكا واضحا للقانون الدولي وتفسيرا موسّع لصلاحيات العملية.

وعلّق الباحث في الشأن الروسي والعلاقات الدولية، الدكتور نزار بوش، من موسكو، في حديث لإذاعة "سبوتنيك"، قائلًا: "الأساطيل البحرية الروسية الكبيرة قادرة على القيام بالكثير، وستتحرك في حال استهداف أي سفينة شحن روسية"، لافتًا إلى أن "الرد الروسي سيكون حاسمًا تجاه خطوات القرصنة غير القانونية وسيفرض معادلة جديدة".

وأكد أن "روسيا تستطيع الردّ بالمثل، في عالم لا يفهم إلا لغة القوة، وأن التصعيد قد يصل إلى استهداف عسكري واندلاع حرب بحرية محدودة أو واسعة، ستكون نتائجها كارثية، ولا سيما على الأوروبيين، وتمتد تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي وأمن النقل البحري".

وأوضح الباحث في الشأن الروسي أن "الدول الأوروبية تسعى إلى "هزيمة" روسيا إستراتيجيًا، لكنها لم تتمكن من تحقيق ذلك خلال السنوات الأربع الماضية، سواء عبر استهداف الاقتصاد الروسي أو فرض العقوبات والحصار، اللذين انعكسا إيجابيًا على روسيا، من خلال توجهها نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي"، مؤكدًا أن "أوروبا اتجهت نحو القرصنة في محاولة لوقف تصدير النفط والغاز الروسي، من خلال تفعيل عملية "إيريني"، التي تهدف أساسًا إلى تنفيذ حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، وتفتيش السفن الروسية".

عودًا على بدء

مما سبق، تمثل الإجراءات الغربية ضد "أسطول الظل" انتقالًا تدريجيًا من العقوبات الاقتصادية إلى تطبيق أكثر مباشرة للإجراءات في البحر، فيما تسعى موسكو إلى حماية شبكة صادراتها النفطية والحفاظ على طرق تجارتها.

وكانت وزارة الدفاع الإيطالية أعلنت، في وقت سابق، أن مهمة تابعة للاتحاد الأوروبي بقيادة إيطاليا صعدت على متن ناقلة نفط تابعة لما يُعرف بـ"أسطول الظل" الروسي، في ثاني عملية من نوعها خلال أسبوعين، في ظل تكثيف أوروبا إجراءات التدقيق في السفن المشتبه في مساعدتها موسكو على ما سمته بالالتفاف على العقوبات النفطية.

وأوضحت الوزارة في بيان، أن الناقلة "توا بايوه"، الخاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي، تم اعتراضها في البحر المتوسط غربي جزيرة بانتيليريا الإيطالية، أثناء رحلتها من بنين إلى إسطنبول.

ونقلت وكالة "رويترز" عن مصدر مطلع قوله إن السفينة جرى تسجيلها في الكاميرون الأسبوع الماضي فقط، مشيرًا إلى أن السلطات البحرية باشرت عملية تفتيش للتأكد من أحقية الناقلة في رفع علم الكاميرون قانونيًا، ومن صحة وثائق تسجيلها، مضيفًا أن البعثة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي في البحر المتوسط، المعروفة باسم عملية "إيريني"، لا تملك صلاحية مصادرة السفن خلال عمليات التفتيش، ما يعني أن الناقلة "توا بايوه" لم تُحتجز.

وبحسب رويترز، لم يتعاون ربان السفينة في البداية، ما دفع فريقًا من العسكريين الإيطاليين إلى الصعود على متنها عبر طائرة هليكوبتر انطلقت من السفينة "ثاون دي ريفيل"، السفينة الرئيسية للعملية "إيريني".

وتكمن حساسية المواجهة في أن السفن التجارية أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالحسابات العسكرية والسياسية، في وقت تتحرك فيه السفن الحربية الروسية والغربية في مناطق متقاربة، خصوصًا في بحر البلطيق والبحر المتوسط.

وتحذر التطورات الحالية من احتمال وقوع احتكاك بين سفن تابعة لروسيا ودول غربية، ولا سيما إذا تحولت عمليات التفتيش إلى احتجاز أو استخدمت القوة لمنع سفينة من الحركة.

وفي حال تعرضت سفينة ترفع علم دولة عضو في حلف شمال الأطلسي لهجوم أو احتجاز روسي، أو قامت دولة أوروبية بالاستيلاء على سفينة روسية وردت موسكو بإجراء مماثل، فقد تنتقل الأزمة من نطاق العقوبات والملاحقة البحرية إلى مواجهة سياسية وأمنية أوسع.

وبينما لا تشير التطورات الحالية إلى اندلاع حرب بحرية مباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، فإن تصاعد التهديدات المتبادلة وعمليات التفتيش والهجمات على السفن والموانئ يجعل البحر أحد أكثر ميادين الصراع حساسية، مع احتمال أن يؤدي أي حادث كبير إلى توسيع نطاق المواجهة خارج ساحات الحرب التقليدية في أوكرانيا، وفق مراقبين.

البحر الأسود.. جبهة بحرية مفتوحة

وبالتوازي مع المواجهة بين روسيا والغرب حول أسطول الظل، يشهد البحر الأسود تصعيدًا مباشرًا بين روسيا وأوكرانيا، مع استهداف السفن والموانئ والمنشآت النفطية.

وقالت مصادر مطلعة، إن صادرات النفط الخام من محطة شيشخاريس في ميناء نوفوروسيسك الروسي توقفت عقب هجوم بطائرة مسيرة، وهي محطة رئيسية لتصدير النفط الروسي عبر البحر الأسود وتتعامل مع نحو 700 ألف برميل يوميًا، وفق وكالة "رويترز".

وأضافت المصادر أن ناقلة نفط كانت تستعد لتحميل شحنة من الخام غادرت الميناء بعد محاولة استهداف المحطة، بينما توقفت عمليات الشحن واستقبال المزيد من النفط بعدما بلغت خزانات التخزين طاقتها القصوى.

وخلال الأسابيع الأخيرة، استهدفت أوكرانيا بطائرات مسيرة سفنًا ومنشآت مرتبطة بالنفط والنقل البحري الروسي، بينما شنت روسيا هجمات على موانئ أوكرانية، ما أدى إلى اضطرابات في حركة الملاحة والتصدير.

وتثير هذه الهجمات مخاوف من امتداد تداعيات الحرب إلى حركة التجارة العالمية، ولا سيما تجارة النفط والحبوب التي تعتمد بدرجة كبيرة على طرق البحر الأسود.

وحول ذلك، رفضت موسكو مقترحا تركيا لوقف إطلاق النار في البحر الأسود، حسبما قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، الجمعة الماضية.

وأوضحت زاخاروفا أن روسيا تواجه بشكل متكرر "أعمالا إرهابية منفلتة" من جانب أوكرانيا، متهمة كييف باستخدام الطائرات المسيرة لمهاجمة سفن مدنية تابعة لدول مجاورة، مضيفة أن "إجراء محدودا من قبيل وقف إطلاق نار جزئي لن يؤدي إلا إلى منح أوكرانيا فرصة لالتقاط أنفاسها وإعادة التسلح".

الحبوب وحرية الملاحة

وتعيد التطورات البحرية ملف أمن الملاحة في البحر الأسود إلى الواجهة، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول إمكانية التوصل إلى وقف مؤقت للهجمات على الأهداف المدنية والسفن.

ويأتي ذلك وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار استهداف الموانئ والسفن إلى عرقلة صادرات الحبوب الروسية والأوكرانية، وهما من كبار موردي المنتجات الزراعية إلى الأسواق العالمية.

وكان اتفاق الحبوب الذي توسطت فيه الأمم المتحدة وتركيا قد سمح بتصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود، قبل انهياره في يوليو 2023، لتنشئ كييف لاحقًا ممرًا بحريًا بديلًا لمواصلة صادراتها رغم استمرار الحرب.

وتبقى حركة النفط والحبوب والتجارة البحرية في قلب هذه المواجهة، فيما تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت موسكو والدول الأوروبية ستتمكن من احتواء التصعيد، أم أن عمليات احتجاز السفن والرد عليها ستفتح مرحلة جديدة من الصراع البحري بين روسيا والغرب.




سبا