مهدي الظمين*

في لحظة فارقة من مسار المواجهة، جاء البيان الأخير الصادر عن القوات المسلحة اليمنية ليضع النقاط على الحروف، ويكشف عن تحولات استراتيجية عميقة في قواعد الاشتباك وموازين القوى، معلناً رسمياً عن تنفيذ ضربة عسكرية دقيقة ونوعية استهدفت تحشدات ومخازن وآليات العدو السعودي ومرتزقته في معسكر "صحن الجن" بمدينة مأرب باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة، ليكون إعلاناً صريحاً بأن يمن اليوم ليس كـ يمن الأمس، وأن أحلام العدو قد قُتلت في مهدها. وتؤكد هذه العملية المستوى العالي جداً الذي وصلت إليه أجهزة الرصد والاستخبارات اليمنية، والتي باتت تمتك القدرة الكاملة على اختراق تحركات العدو وضرب حشوده ومعداته العسكرية بدقة متناهية وقبل أن تبدأ بتنفيذ مخططاتها العدوانية، حيث يبعث هذا الاستهداف المباشر برسالة شديدة اللهجة مفادها أن الاستمرار في فرض الحصار والتصعيد لن يقابل إلا بردع فوري وضغط ميداني متصاعد، وأن الضربات القادمة ستكون أشد وأقسى ولن تترك للعدو أي هامش للمناورة.

إن القوات المسلحة ماضية بكل ثبات في تثبيت معادلتين رئيسيتين هما "الحصار بالحصار" و"استهداف التحشيدات العدوانية أينما كانت"، ولن تسمح بمرور المخططات دون ردع حاسم، وهو ما يعكس حجم الورطة التي وضع العدو السعودي نفسه فيها بانسياقه خلف المشاريع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. ومهما سعى النظام السعودي لتشكيل تحالفات جديدة في البحر أو محاولة استقطاب دول إقليمية كتركيا وباكستان لتوزيع أعباء الفشل والهروب من المأزق الميداني، فإن ذلك لن يغير من الواقع شيئاً، إذ يجب على الجميع قراءة التاريخ جيداً واستيعاب دروسه، فاليمن كان وسيظل مقبرة للغزاة، وأي دولة تقحم نفسها في العدوان ستكون مصالحها هدفاً مشروعاً لضربات القوات المسلحة اليمنية. ومع هذا التفوق الميداني، تتجلى الحكمة والمسؤولية في النداء الأخلاقي والأخير الذي وجهه البيان للمخدوعين والمغرر بهم في معسكرات العدو للسرعة بالعودة إلى حضن الوطن وأهاليهم وألا يكونوا وقوداً لجهات خائنة تتاجر بدمائهم، مع توجيه التحية والإعزاز لقبايل مأرب الأبية وأحرار اليمن الصامدين. وفي المقابل ينكشف الغياب التام للحكمة والبصيرة لدى حكام السعودية الذين اختاروا مسار العدوان والحصار والتجويع بدلاً من التعايش ومساندة جيرانهم، متجاهلين سنة الله الجارية في أن الظلم والفساد والارتهان لاعداء الاسلام وتنفيذ مخطاتهم لا يجلب إلا سخط الله وزوال الملك والاندحار، ليثبت البيان في نهايته أن صاحب الحق والأرض هو الأقوى، وأن الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت والضربات الحاسمـة التي ستسقط كل أوهام الاحتلال والوصاية والعاقبة للمتقين.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب