السياسية || محمد محسن الجوهري*

كثيرة هي الأحزاب والجماعات الدينية المنتشرة في العالم وأكثرها لا يقبل بك إلا إذا قدمت تنازلات كثيرة أو كنت تنتمي إلى فئة عنصرية خاصة، باستثناء الهوية الإسلامية الأصيلة بقيادة محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهي الهوية التي لم تنقطع ولم تترك مبدءها النبوي في دعوة الجميع إلى دين الله والقبول بهم، بل وتشجيعهم على الدخول في الإسلام بعيداً عن كل الانتماءات الفئوية والمذهبية الضيقة، فمنهج النبي كان سمحاً وسنتذكر تلك السماحة في كل مرةٍ نحيي فيها مولده الشريف أو مناسبة أخرى تتعلق به، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام.

وحتى لا نخسر هذا التسامح ونخسر معه ديننا فمن الواجب أن تبقى هويتنا إسلامية أصيلة تنظر إلى النبي -صلى الله عليه وآله- باعتباره القائد والقدوة والحاضنة الشاملة لكل المسلمين والمستضعفين في الأرض، وأي تفريط في النبي هو تفريط في الأمة نفسها والبديل عن ذلك هو الضلال والضياع والتناحر، ولنا في اليمن شواهد كثيرة تثبت سوء العاقبة إذا أدبرنها عن هويتنا الإيمانية، فالاختلافات والعصبيات المناطقية والمذهبية منشؤها غياب الهوية الجامعة التي عنوانها النبي صلى الله عليه وآله، ومن يختلف معنا فيه وفي مولده فلن يتفق معنا في أي شأن آخر يخص الأمة الإسلامية، ومنها فلسطين، فقد رأينا أعداء النبي والرافضين لإحياء مولده الشريف أول من يخذل القضية الفلسطينية ويخذل غزة ويرحب بالعدوان الصهيوني على بلادنا.

بالمقابل لم ينصر قضايا الأمة إلا أولئك العاشقين لرسول الله صلى الله عليه وآل وسلم، فمن الوفاء للنبي الوفاء لأمته التي تستهدف اليوم لمجرد أنها رضت بالإسلام ديناً وبه نبياً ورسولا، فالقتال ديني محض، وليس للعدو أي أهواء أخرى دون القضاء على الهوية المحمدية الأصيلة، وليس لنا أي قيمة إذا أطعنا أهل الكتاب وعملائهم وخذلنا رسول الله وخذلنا أمته، فنحن أمة محمد وسنظل على هذا المبدأ حتى أخر الدهر، ومن هنا نستمد قوتنا وكرامتنا وفي ذلك كل أسباب القوة والعزة.

كما أن الهوية المحمدية تُمثّل الدرع الواقي والخط الدفاعي الأول لحماية الشعوب الإسلامية من مخاطر التتريب والاستلاب الثقافي، وهي السد المنيع بوجه مشاريع الاستعمار الحديث التي تسعى لطمس الهوية، وسلب الإرادة، وتغريب المجتمعات. وحين تتمسك الأمة بنهج نبيها وقائدها، فإنها تحصّن شخصيتها المستقلة، وتحفظ جذورها وملامحها الحضارية والدينية من الذوبان في أتون التبعية والهيمنة، لتظل أمةً عزيزةً، واعيةً بذاتها، وقادرةً على الثبات في وجه كل محاولات اقتلاع الجذور.

وفي زمن تخلت فيه القوى الكبرى عن أبسط قيم العدالة والإنسانية، وسقطت كل الشعارات المزيفة التي طالما تغنت بحقوق الإنسان وباتت الكيل بمكيالين سياستها الثابتة، يظل المنهج النبوي هو الملاذ الآمن والبوصلة الصادقة لكل مظلوم ومستضعف على وجه الأرض. فمن خلال هذا المنهج العظيم، تستمد الشعوب المقهورة القوة واليقين الراسخ بأن الظلم مهما اشتد جبروته ومهما طغى، فهو إلى زوال، وأن "العاقبة للتقوى" وأن الباطل مهما علا صرحه فهو زاهق لا محالة. فالارتباط بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يمنح الأمة رصيداً روحياً ومعنوياً لا ينضب، يحول الألم إلى طاقة مقاومة، والضعف إلى إرادة صلبة تواجه طغيان المستكبرين بثبات لا يلين ولا ينكسر.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب