الحسين.. ثورةٌ أبديةٌ ضد الطغيان
السياسية || محمد محسن الجوهري*
إن نكبة الأمة الإسلامية اليوم تتمثل في هيمنة الطغاة على القرار السيادي، وإقصائهم لصوت الأحرار المُعبّر فعلياً عن الشارع الإسلامي، ومثل هؤلاء لا يطيقون الحديث عن الإمام الحسين (عليه السلام) لأن ذلك ينزع شرعيتهم ويجرد سلطتهم من القيمة الأخلاقية لوجودها.
ولولا ثورة الإمام الحسين لنجح الطغاة في فرض أفكارهم كدينٍ رسمي بدلاً عن دين الله، ولأصبحوا هم فعلاً ظل الله على الأرض، تماماً كما يصورهم شيوخ الضلالة من الوهابية وأمثالهم عبر التاريخ. ولهذه الأسباب تبقى الثورة الحسينية محطة فرزٍ أخرى في مسار الإسلام تفصل أهل الحق عن أهل الباطل، ويبقى الحسين علماً من أعلام الحق مهما تداعى الطغاة عبر الأجيال لتفنيد مشروعه العظيم وفصله عن دين جده محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد تنبأ الرسول الأكرم سلفاً بهذه المؤامرة وقال مقولته الشهيرة: "حسينٌ مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً".
بالمقابل، فإن الطغاة لا يستطيعون التعايش مع الإمام الحسين (عليه السلام) حتى بعد أربعة عشر قرناً من استشهاده؛ فبمجرد الحديث عن الحسين يرتعد الطغاة، ويعلمون أن الحسين ليس ذكرى ولا ضريحاً، وإنما تهديد وجودي ينذر بكارثة وشيكة تعصف بهم وبعروشهم وحتى بصغار الأذناب المراهنين على سطوتهم. ولا غرابة أن تبقى ذكرى الحسين مثيرة للعواطف والأحقاد في صف الباطل، وهذا يؤكد أن الحسين حيٌ لا يموت، وسيفه قريب جداً من أعناق المعاندين، ولو لم يكن كذلك لتعايشوا مع ذكراه وجعلوا منه تاريخاً لا واقعاً معاشاً.
وبالنسبة لأنصار الحسين، فهو روح وجودية، وبدونه فالحياة مادية كئيبة بلا مشاعر أو عواطف، وهذه هي المكافأة الكبرى على حبهم له، إلى جانب كونه الشاهد على صدق إيمانهم وإخلاصهم لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم اليوم العقبة الكؤود أمام المشروع الصهيوني الساعي لاجتثاث الإسلام والمسلمين كافة.
وهذه المسيرة الحسينية هي تفعيلٌ مستمرٌ لضمير الأمة الذي يأبى الانكسار؛ فكل جيلٍ يكتشف في نهضة الحسين ملامح قوته، وكل حرٍ يجد في دمه الطاهر بوصلةً ترشده نحو طريق الخلاص. ولن تتوقف هذه الثورة عن إرعاب الطغاة ما بقي في الأمة نبضٌ يرفض الهوان، وما بقيت كربلاءُ مدرسةً تُخرّج العشاق الذين يقدّمون دماءهم قرابين في سبيل الحق، مؤمنين بأن الانتصار الحقيقي ليس في ديمومة الجسد، بل في خلود المبدأ الذي لا تغيب شمسه مهما طال ليل الظالمين.
خلاصة القول، إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) يظلُّ في وجدان الأمة والضمير الإنساني الحر قوةً متجددة لا تعرف الأفول؛ فهو منهجٌ ثوريٌ حيّ يُسقط أقنعة الطغيان ويُعرّي زيف السلطات الجائرة. أما عن حقيقة الصراع بين أنصار الحق وطغاة الأرض فهي لا تنتهي، وتظلُّ ذكرى كربلاء هي الحصن الذي تتكسر عنده كل محاولات التدجين، واليقين الذي يمنح الأحرار ثباتاً لا يلين، مؤكدةً بأنَّ نهج الحسين سيظلُّ بوصلة العدالة التي ترشد الأجيال، وسيف الحق الذي لا يغمد في وجه كل من أراد بالحق والكرامة سوءاً.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

