السياسية || علي مجمل حمزة*

هل ترفّع زعماء المسلمين عن الرد على الإساءة المتكررة من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في ما قاله عن بيت الله ومجمع كل المسلمين، وقبلها ما قاله عن أهل غزة وكيف وصفهم بالإرهابيين، وأنه لن تكون لهم دولة إلا تحت الدولة المعترف بها من قبله والمعروفة عمالتها؟
على الأقل فليكن لهم استهجان عن كل هذه الإساءة حتى أمام شعوبهم!

لقد وصل الإذلال بالمنظومة الرسمية إلى أنه لم يعد لها رأي تحت ذريعة "خارطة السلام" التي عليهم القبول بها، وبالمشروع الصهيوأمريكي في إتمام "صفقة القرن" بإنشاء إسرائيل الكبرى، وتمرير ما يسمى "الإسلام الإبراهيمي" الذي يسعى لتجريد القضية من بعدها العقدي والديني وتحويلها إلى مجرد خلاف جيراني. كل هذا الإذلال يتحمله حكام العرب من أجل بقائهم في كراسيهم، حتى وإن كان على حساب دماء المحاصرين في غزة وعلى حساب مقدسات وكرامة المسلمين.

ولكن هذا لن يتم لهم، فقانون الله ليس على هواهم، وقد كشف سبحانه طبيعة هذا الذعر السياسي والهرولة نحو القوى الطاغية بقوله عز وجل:
{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فيهمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [سورة المائدة: 52].

صمود غزة: قانون الفئة القليلة يتحدى الترسانة العسكرية

وبعد هذا هل انتصروا؟ لا، لأن هناك من لم يرضَ بكل ما هم عليه من خنوع ورضوخ؛ خرجوا وقالوا: تباً لكم لن تنتصروا ونحن لكم بالمرصاد.
وهنا يتجلى الصمود الأسطوري لأهل غزة؛ فبالرغم من حصار خانق تجاوز العقدين من الزمن، ورغم حجم التدمير الهائل غير المسبوق الذي أباد أحياء كاملة، إلا أن هذه "الفئة القليلة" نجحت في إفشال أهداف أقوى ترسانة عسكرية في المنطقة، وصنعت فارقاً حقيقياً على الأرض، متمسكة بأرضها ومقاومتها، ومثبتة للعالم أن الإرادة لا تُهزم بالتكنولوجيا.

فهذه المعجزة لم تصنعها جيوش نظامية مدججة، بل صنعتها جماهير بسيطة في أشكالها، قوية في عزتها، رفضت الخضوع في وقت خضع فيه الجميع. قاوموا بأقل السلاح وبعزت المقاوم قاوموا وناضلوا ولم يكونوا وحدهم، لم تترك نصرة المظلوم بكل ما تقدر عليه، في وقت يسخر فيه المنافقون وينعقون: "ماذا صنعتم لغزة؟ ماذا صنعتم لبيت الله؟". يتكلمون ولكن لم يعد لكلامهم هذا أي تأثير، فقد عرفهم القاصي والداني بخبث كلامهم وتقليلهم من إنجازات من ينصرون مظلومية الضعفاء.

ونحن نقول لهم إن العزة والكرامة ليس لها مقاييس ولا نسب بكثرة من مع الحق ومن مع الباطل، نعم قد يكونون كثراً من تركوا غزة وقليلاً من نصروها، ولكن هذا هو القانون التاريخي والرباني الثابت:
{... قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [سورة البقرة: 249].

جبهة اليمن وباب المندب: لغة الأرقام التي هزت النظام الدولي

يكفيكم فخراً يا من نصرتم كل المظلومين وكل المقدسات، يا أهل العزة والكرامة، أنكم أقلقتم مضاجعهم وكسرتم فرحتهم، فهم يعلمون أنكم شوكة في حلوقهم وإن لم يظهروا ذلك. لقد ركنوا على من يلعنونهم في الرد عليكم بغلهم ونفاقهم وسخريتهم من تفانيكم في نصرة المغلوب والمظلوم. بيوت الله، نعم يا أهل اليمن، أنتم الغالبون وإن لم يعترفوا بذلك، فهم يشكونكم بكل لسان وينقصون من نضالكم ويظهرونكم قلة، وأنتم كالجبال على قلوبهم.

لقد تغيرت معادلات الحروب وتعدد فيها الرد والردع، فالسياسة الدولية اليوم لا تعترف بالشعارات بل بالحقائق والضربات الموجعة، وقد مكنكم الله منهم في باب المندب والبحر الأحمر، وتحولت جبهة اليمن إلى رقم صعب يُترجم بلغة الأرقام والخسائر التي هزت عروش الاقتصاد الصهيوني والغربي:

خنق الملاحة الإسرائيلية: أصيبت الحركة التجارية في ميناء "إيلات" الصهيوني بشلل شبه تام، وانخفضت إيراداته بنسب كارثية نتيجة منع السفن المتجهة للكيان.
ارتفاع تكاليف التأمين البحري: تضاعفت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية إلى مستويات قياسية، واضطرت كبريات شركات الشحن العالمية للالتفاف حول طريق "رأس الرجاء الصالح"، مما رفع تكاليف الشحن وزاد مدة الرحلات.

عجز "حارس الازدهار": وقف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية عاجزاً عن فرض إرادته وحماية السفن المستهدفة، وفشلت القوة العسكرية العظمى في تأمين الممر المائي أمام صواريخكم ومسيراتكم، لتتآكل هيبة الردع الأمريكية في أهم مضايق العالم.

وهذه ساحة لم يقدروا على تخطيها، وسيهزمون كما هزموا في مضيق هرمز من قبل. نعم تغيرت ساحاتنا ولكننا فرضناها بقوة السلاح والموقف.
الأيام تأتي بكل خير، وغزة لم ولن تُنسى وهي قبلة المقاومين. وما بَعُدَ عنا وقَرُبَ منكم، قد بَعُدَ عنكم وقَرُبَ منا، وقواكم ضعفت وقوانا زادت، ويأبى الله إلا أن يثبت وعده للمظلومين:
{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [سورة الشعراء: 227].



* المقال يعبر عن رأي الكاتب