السياسية || تقرير||

شهدت محافظة صنعاء خلال الأعوام القليلة الماضية، تحولًا نوعيًا في مسار التنمية الذاتية، حيث تضافرت الجهود الرسمية والشعبية لتفعيل المبادرات المجتمعية، كأداة رئيسية لكسر الركود التنموي، وتخفيف معاناة المواطنين في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد.

وتأتي المبادرات التي تعتبر شريان التنمية وعصب العمل التعاوني، تجسيدًا لمبدأ المشاركة بين الدولة والمجتمع لتحقيق الاكتفاء الذاتي والنهوض بالبنية التحتية في مختلف قرى وعزل مديريات المحافظة.

الرؤية والتوجه الاستراتيجي

تضع قيادة المحافظة ملف المبادرات المجتمعية في صدارة أولوياتها، معتبرة إياها الرهان الرابح، لتحريك عجلة التنمية في مختلف المديريات؛ ويظهر هذا الاهتمام جليًا من خلال الدعم المادي والعيني، المتمثل في تقديم التسهيلات وتوفير الديزل، والإسمنت والمعدات والآليات التابعة للمحافظة لمساندة المبادرات خاصة في مشاريع الطرق والمياه .

وتعمل السلطة المحلية بالمحافظة على تذليل الصعوبات من خلال إصدار توجيهات صارمة لكافة المكاتب التنفيذية والمديريات بتبسيط الإجراءات وتذليل كافة الصعاب أمام الجهود الشعبية.

كما تعمل على تحفيز المشاركين في المبادرات المجتمعية، من خلال النزول الميداني المستمر لقيادة المحافظة لتفقد المشاريع الجاري تنفيذها، وتكريم المبادرين والشخصيات الاجتماعية الفاعلة لرفع الروح المعنوية وتوسيع خارطة المشاركة.

تمثل الإدارة العامة للمبادرات المجتمعية بالمحافظة وقطاع التخطيط، الإطار التنفيذي والفني لهذه الجهود، وتتلخص أدوارهما في استقبال طلبات المبادرات ودراستها هندسيًا وفنيًا لضمان جدواها وديمومتها قبل بدء التنفيذ، إلى جانب التنسيق والربط بين الجهد الشعبي "التمويل المجتمعي" والجهد الرسمي "الدعم الحكومي" عبر وحدة التدخلات المركزية التنموية الطارئة أو السلطة المحلية ، والرقابة والإشراف والمتابعة الميدانية المستمرة لمراحل التنفيذ للتأكد من مطابقتها للمواصفات الفنية، ورفع تقارير دورية بنسب الإنجاز لضمان الشفافية وحسن استغلال الموارد.

وأوضح مدير المبادرات المهندس محمد النزاري، ومسؤول التخطيط بالمحافظة أنور سلطان، أن مشاريع المبادرات خلال الأعوام 1444ـ 1447هـ بلغت ألفًا و 597 مشروعًا، منها ألف و 302 مشاريع بمبادرات ذاتية في مجالات الطرق والمياه والتربية، نفذ منها ألف و 424 مشروعاً، و6 مشاريع شبه منفذة، فيما لايزال العمل جارٍ في 25 مشروعًا ، و46 مشروعًا لم يبدأ العمل فيها.

وبين النزاري وسلطان أن تكلفة مشاريع المبادرات الذاتية والمدعومة من السلطة المحلية والجهات الداعمة الأخرى بلغت تسعة مليارات و 742 مليونًا و 244 ألفًا و 356 ريالًا.

وأشارا إلى أن مساهمة المجتمع النقدية والعينية في تنفيذ المشاريع بلغت ستة مليارات و 440 مليونًا و 825 ألف ريال، فيما بلغت مساهمة السلطة المحلية والجهات الداعمة النقدية والعينية ثلاثة مليارات و 140 مليونًا و 65 ألف ريال.

وتعد الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض الذراع التنفيذي الأقوى لترجمة المبادرات إلى واقع ملموس، وينقسم دورها الهيكلي إلى مسارين، أحدهما لقطاعات المحافظة يتمثل في التخطيط الاستراتيجي، وتوحيد جهود العزل والمديريات المتجاورة تحت سقف رؤية زراعية وتنموية موحدة لكل القطاعات "الشرقي، والغربي، والجنوبي، والشمالي" .

وكذا توفير المدخلات الكبرى والتنسيق لتوفير الحراثات، ومنظومات الطاقة الشمسية، والبذور المحسنة بكميات كبيرة وبأسعار تنافسية للمزارعين، والحد من احتكار الأسواق.

والمسار الآخر على مستوى المديريات والعزل، حيث يتم التحشيد والتوعية من خلال النزول إلى القرى والعزل لتوعية المواطنين بأهمية العمل التعاوني واستغلال الأراضي الصالبة وتوسيع رقعة زراعة المحاصيل الاستراتيجية " كالقمح والحبوب" ، وإنشاء الخزانات وحصاد مياه الأمطار، حيث تبنى مبادرات حفر البرك، وإنشاء الحواجز المائية الصغيرة، وصيانة قنوات الري على مستوى العزل لحماية التربة من الانجراف والاستفادة القصوى من مواسم الأمطار.

وفي إطار هذا المستوى تقوم الجمعيات بالتسويق التعاوني، بهدف كسر وسيط البيع الجشع عبر إيجاد منافذ تسويق مباشرة للمنتجات الزراعية للعزل ، بما يضمن عائدًا عادلًا للمزارع وسعرًا مناسبًا للمستهلك.

محافظ المحافظة عبد الباسط الهادي أكد أن المبادرات المجتمعية ليست مجرد سد فجوة غياب المشاريع المركزية، بل ثقافة أصيلة تعكس وعي وصمود أبناء محافظة صنعاء.

وأوضح أن الرهان اليوم يقوم على الاعتماد على الذات والتحول من اليد المستهلكة إلى اليد المنتجة، مؤكدًا استمرار السلطة المحلية في تقديم كافة أشكال الدعم والمساندة للشركاء في التنمية "المجتمع والجمعيات"، لتحقيق النهوض الشامل بالعملية التنموية .

وأشار الهادي إلى أن لغة الأرقام والميدان يثبتان أن المبادرات المجتمعية وفرت على موازنة الدولة مبالغ طائلة وحققت مشاريع حيوية في زمن قياسي، لا سيما في شق وتعبيد الطرق الوعرة بمديريات المحافظة.

فيما أوضح أمين عام المجلس المحلي عبد القادر الجيلاني أن دور المجلس المحلي يتركز على إدراج هذه المبادرات ضمن الخطط التنموية السنوية للمحافظة ورفدها بنسب الدعم المقرة قانونًا لضمان استمراريتها .

ونوه بدور قيادة السلطة المحلية في تنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية ذات الأولوية خدمة للمواطنين وتسهيل الحركة والحصول على الخدمات خصوصًا في المناطق الريفية البعيدة عن مراكز المديريات.

بدورهم أشار مديرو المديريات إلى ما تشهده المبادرات المجتمعية من تنافسٍ شريفٍ بين العزل والقرى، فكل قرية تسعى لتقديم نموذج متميز في شق طريق أو بناء فصول دراسية أو توفير مياه شرب.

وأوضحوا أن المبادرات المجتمعية خففت العبء عن كاهل المجالس المحلية في المديريات، مؤكدين تسخير آليات ومعدات المديريات لخدمة المبادرات الشعبية، والعمل كجسر تواصل دائم لحل أي إشكالات قد تطرأ في الميدان .

وتؤكد المعطيات أن محافظة صنعاء باتت نموذجًا يُحتذى به في إحياء قيم التكافل والتعاون التنموي، ولم تعد المبادرات مجرد جهود عشوائية، بل تحولت بفضل القيادة، والإطارات الناظمة لها إلى منظومة عمل مؤسسي متكاملة، كفيلة بتحقيق نهضة تنموية مستدامة تعزز صمود المجتمع وتدفع به نحو الاكتفاء الذاتي.


سبأ