السياسية || محمد محسن الجوهري*


نستطيع أن نجزم بأن اللغة العربية مؤهلة لأن تكون اللغة الأولى عالمياً؛ وذلك لمركزيتها الدينية أولاً، ولجاذبيتها وفصاحتها التي تؤهلها لأن تطرح نفسها إطاراً عالمياً يتجاوز الحدود الوطنية أو القومية الضيقة، إضافة إلى أن البشرية مهيأة لتقبل ثقافة عالمية موحدة تكون حلقة وصل بين مختلف شعوب الأرض.

فالعربية هي وعاء الإسلام، وما كانت لتقوى على حمل هذه الرسالة لولا أن الله اختصها بسمات جعلتها سيدة اللغات، وبوابةً لمعرفة الفرائض الدينية المقدسة. وبدلاً من تهافت العرب وغيرهم على دراسة اللغات الأوروبية -التي هي لغات المستعمر التي انتشرت بفضل الإمبريالية الثقافية وفُرضت على حساب لغات أخرى، وقُدمت باعتبارها لغة "الرقي" أو "العلم" أو "الفرص" مما دفع الآخرين للتثقف بها كضرورة للبقاء- فإن العربية تملك مقومات الأصالة والانتشار الذاتي.

ومما يؤيد هذه الفرضية أن القرآن الكريم لم يشر إلى "العرب" كعرق أو قومية باسمهم على الإطلاق، بل اقتصر الحديث على "اللسان"، كقوله تعالى:
• ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2].
• ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195].
• ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: 28].
• ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ [الرعد: 37].
• ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: 3].

وهذا يؤكد أن عظمة العربية مستمدة من عظمة الرسالة؛ فالإسلام رحمة للعالمين جميعاً، واللغة العربية عالمية بعالمية هذا الدين العظيم. ويكفي أن يتدبر الناس القرآن ليدركوا عظمتها، ويستخلصوا منها قواعدها وأساليبها في الأدب والبلاغة، وسائر المجالات المرتبطة بالدين واللغة وتفاصيلهما.

وهذا العدول القرآني عن تسمية القوم (العرب) إلى تمجيد اللسان (العربي) ينقل اللغة من حيز «الجغرافيا والدم» إلى فضاء «العالمية والرسالة»؛ فالعربية في المنظور القرآني هي لسانٌ متاح لكل من أراد أن يعقل عن الله خطابه. وبذلك تحولت العربية إلى لغة أمة وهوية إنسانية جامعة، حيث أصبح الانتساب إليها يتم عبر البيان وحتى تكون منصة تلتقي عليها عقول البشر بمختلف مشاربهم.

والعرب أنفسهم مهيأون لهذا الدور العالمي؛ ومما أعانهم على ذلك احتضانهم لبيت الله الحرام، الذي جعله الله مقصداً ومهوى لأفئدة الناس جميعاً، ودعاهم إلى الحج إليه من كل فج عميق. لقد تحولت مكة بفضل هذا الرباط المقدس إلى قلبٍ نابض للعالم، حيث تذوب فيها الفوارق والألوان، ولا يبقى إلا اللسان العربي لغةً موحدة للنداء والعبادة. وهذا التجمع السنوي هو مؤتمر كوني دائم يكرس العربية كقاسم مشترك بين الشعوب، ويجعل من أرض العرب منصةً انصهرت فيها الهويات الفرعية لتولد منها هوية عالمية كبرى، تستمد شرعيتها من قدسية المكان ووحدة اللسان، مما يؤهل العرب لقيادة نموذج حضاري يتجاوز حدود القومية إلى رحاب الإنسانية المؤمنة.

"وليس لدى شعوب الأرض قاطبة أي عوائق جوهرية تحول دون تقبل عالمية الرسالة ولسانها العربي، باستثناء تلك الفئة التي استثناها الوحي ووصفها بـ «أهل الكتاب»، الذين استحبوا العناد وامتنعوا عن اتباع القبلة ولو جاءتهم كل آية، كما نصَّ الذكر الحكيم.

يُضاف إليهم فئة أخرى -للأسف- تنتمي لصلب العرب، وهم «الأعراب»؛ الذين حرص البيان الإلهي على وسمهم بهذا الاسم تمييزاً لهم، وتبياناً لأن أشد الفرق نفاقاً وغلظة داخل جسد الأمة نبتت من داخل المحيط العربي لا من خارجه. ولو غابت هذه التسمية الدقيقة (الأعراب)، لربما وُظفت سهام الاتهام ظلماً تجاه أمم أخرى كالفرس والترك والكرد وغيرهم.

وهذه الفئة لا تبالي بانتشار الإسلام، ولا تكترث لصورته في العالمين، بل إنها تستغل «عالمية اللسان العربي» لتحوله من جسر للتواصل إلى أداة للهوية الاستعلائية المقيتة، فتستخدمه وسيلة للتعالي على زوار بيت الله الحرام، ومعاداة المسلمين من غير العرب بشكلٍ عام، وقد أدت هذه العصبية المقيتة إلى نشوء الحركات "الشعوبية" التي اعتبرت همجية الأعراب بأنها من الإسلام، وترى في ممارساتهم عائقاً يحول بينه وبين كرامته الإنسانية، وهو ما جعل الصراع يتحول من صراعٍ مع «المستعمر الخارجي» إلى صراعٍ مرير داخل البيت الواحد، غذّته أوهام التفوق اللغوي التي تبرأت منها الرسالة المحمدية حين أعلنت بصريح العبارة: «ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى»."

ولو تأملنا واقع الأمة الإسلامية لرأينا أن الحجاز -مثلاً- كانت منارة للتعايش بين جميع المسلمين من مختلف القوميات الذين توحدوا تحت راية الإسلام، وكذلك الحال في سائر الأقطار العربية الأخرى، كالعراق والشام وحتى اليمن، لكن مناطق الأعراب ظلت على حالها فلم تذب في الهوية الإسلامية الجامعة.

ومع سقوط المنطقة تحت نير الاحتلال، تم تعميم ثقافة الأعراب باعتبارها الثقافة العربية الأصيلة، وأراد لها المستعمر الغربي أن تكون منفرة عن الإسلام ومشوهة له؛ ولذلك نراها تبنت حتى عقائد تكفيرية موجهة ضد أبناء الأمة لتكريس الفرقة والنيل من الهوية الإسلامية الجامعة. ولو لم تكن ضد الإسلام وصنيعة المستعمر الخارجي لما رأيناها تكفر المسلمين كافة، بينما يهرول قادتها وشيوخها إلى التطبيع والخيانة.

ولذلك، فإن استعادة اللغة العربية لمكانتها ليس حلماً قومياً ولا من دواع الإمبريالية الثقافية،وإنما هو ضرورة حضارية؛ فهي اللغة التي استمدت كونيتها من عالمية الرسالة الإسلامية، متجاوزةً حدود العرق والقومية لتكون لساناً إنسانياً جامعاً. وإنَّ تنقيتها من شوائب الاستعلاء "الأعرابي" ومن محاولات التشويه الاستعمارية، هو السبيل الوحيد لكسر الهيمنة الثقافية الغربية، وإعادة تقديم العربية كإطار أخلاقي ومعرفي يربط شعوب الأرض بوحدانية الخالق ووحدة المصير الإنساني، بعيداً عن صراعات الشعوبية وضيق الأفق العنصري.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب