السياسية - وكالات :



بين أنقاض البيوت وصمت الخيام، لا يعيش كبار السن في قطاع غزة ما يُفترض أن تكون عليه الشيخوخة من سكينة وراحة، بل يخوضون فصولًا قاسية من الألم اليومي، حيث تحوّلت سنواتهم الأخيرة إلى معركة مفتوحة مع المرض والبرد والعجز، داخل خيام لا ترحم أجسادًا أنهكها العمر.

في هذه البقعة المحاصرة، لم تعد الشيخوخة محطة هدوء، بل اختبارًا مريرًا للصبر. الأرض الصلبة التي تُفرش داخل الخيام، والبرد الذي يتسلل إلى العظام، وانعدام أبسط مقومات الحياة، كلها عوامل تضاعف معاناة من لم يعد قادرًا على التحمل. هنا، يصبح النوم معاناة، والحركة عبئًا، وحتى قضاء الحاجة تحديًا يوميًا يفوق طاقتهم.

أبو محمود صقر (72 عامًا)، النازح من شمال قطاع غزة، يختصر وجع هذه المرحلة بكلمات مثقلة لـ وكالة (شهاب) الفلسطينية بالقول: "مش قادر أتحرك زي قبل، الأرض بتوجع، والنوم صعب، وكل شيء صار متعب". لم يعد الرجل الذي اعتاد الراحة في منزله قادرًا على التأقلم مع حياة الخيام، حيث يقول إن أصعب ما يواجهه هو النوم على الأرض، في واقع لم يكن يتخيله يومًا.

أما الحاجة أم فرج أبو شعر (78 عامًا)، فتروي حكاية أخرى من الألم، حيث تتفاقم الأمراض في ظل غياب العلاج الكافي. تقول بصوت يختلط فيه الصبر بالوجع: "الخيمة ما بتحمينا.. حتى أبسط الأشياء صارت صعبة". كانت تأمل أن تعيش ما تبقى من عمرها في هدوء، لكن الواقع فرض عليها حياة لا تتناسب مع سنها ولا وضعها الصحي.

وفي خيمة أخرى، يقضي الحاج أبو يوسف خليفة (68 عامًا) لياليه في صراع مع البرد والمرض، حيث يصف الليل بأنه "أصعب شيء"، مع غياب الدواء أحيانًا لأيام متواصلة، ما يزيد من تدهور حالته الصحية. يقول: "كل يوم بحس إني بتعب أكثر"، في إشارة إلى رحلة معاناة لا تنتهي.

ولا تقف المعاناة عند حدود المرض والجسد، بل تمتد إلى الضجيج والازدحام، كما يروي الحاج أبو العبد نصير (80 عامًا)، الذي لم يعد يحتمل أصوات المخيم المكتظ. يقول: "الدوشة بتتعبني.. بس وين أروح؟"، في تعبير صادق عن عجز كامل أمام واقع مفروض.

وفي هذا الصدد، أكدت منظمة العفو الدولية أن كبار السن في غزة يواجهون انهيارًا غير مسبوق في أوضاعهم الصحية، نتيجة القيود المفروضة على دخول المساعدات، ما حرمهم من الأدوية والرعاية والغذاء الكافي.

ورغم كل هذا الألم، يتمسك كبار السن في غزة بالحياة، بصبر ثقيل ووجع صامت، لا يملكون أمامه سوى الاحتمال. هم الذين أفنوا أعمارهم في بناء بيوتٍ وأحلام، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة قسوة لا تليق بسنواتهم الأخيرة.

وفي ختام هذه الصورة القاسية، تبقى الشيخوخة في غزة شاهدًا حيًا على معاناة مضاعفة، حيث لا يُثقل العمر وحده كاهلهم، بل واقع إنساني يجرّدهم من أبسط حقوقهم.

وبين خيمةٍ لا تقي بردًا ولا تحفظ كرامة، يستمر هؤلاء في الصمود، كأنهم يكتبون بصبرهم حكاية وجعٍ لن تُنسى.