نص المحاضرة الرمضانية الـ 17 للسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي 1447هـ
السياسية :
نص المحاضرة الرمضانية السابعة عشرة لقائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي 17 رمضان 1447هـ 06 مارس 2026م:
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
كنَّا في المحاضرة الماضية وصلنا إلى اتِّجاه موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" للخروج من المدينة، بعد أن جاء إليه رجل من أقصى المدينة يسعى، وبلَّغه بخبر الملأ أنهم عقدوا مؤتمراً لتدارس الموقف منه، وقرَّروا قتله، ويدرسون إجراءات التنفيذ لذلك.
وتحدَّثنا عن أهمية هذا الدور الذي قام به ذلك الرجل، الذي يملك قيم الرجولة، ويملك الاهتمام، وروحية الاهتمام بالقضايا المهمة، وفي تدبير الله الرحيم والحكيم، أجرى على يده هذه المبادرة المهمة.
تحدثنا على ضوء ذلك بالاستفادة من الدروس المستوحاة من ذلك، والمستفادة منه، فيما يتعلَّق بأهمية البلاغات الأمنية، ونؤكِّد كذلك على أهمية المعلومات، المعلومات التي لها علاقة بالجوانب الأمنية والعسكرية، والمخاطر التي تستهدف الناس في حياتهم، وتستهدف المظلومين، وتستهدف أهل الحق، القائمين بالحق، تستهدفهم بأيِّ شكلٍ من أشكال الاستهداف، وعلى أيٍّ كانت نوعية المخاطر.
المعلومات ذات أهمية كبيرة، حينما تكون معلومات مؤكَّدة، موثوقة، والمبادرة بها قبل فوات الأوان، وكذلك الاستفادة منها في التعامل مع الموقف باتِّخاذ التدابير العملية، والإجراءات العملية المناسبة، يعني: بحسب اختلاف الظروف، اختلاف الأحوال، اختلاف المواضيع، اختلاف التدابير نفسها، تجاه ما يحسب حسابه من جوانب مختلفة.
البلاغات الأمنية من سائر الناس مهمة، من جهات الاختصاص- أيضاً- ذات أهمية كبيرة جداً، والاستفادة منها فيما يتعلَّق بالتدابير العملية، وأحياناً تكون تدابير عملية فورية، كذلك له أهمية كبيرة جداً في تفادي حدوث مخاطر، أو أضرار، أو نجاح مخططات للأعداء أو للأشرار بشكلٍ عام، وللمجرمين.
نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" اتَّجه للخروج الفوري، ولكن- كما ذكرنا في آخر المحاضرة الماضية- إلى أين يتَّجه؟
يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ}[القصص:22]، اتَّخذ قراره الفوري بأن تكون وجهته إلى مدين، مدين منطقة خارج مصر، ليست داخل مصر، ولم تكن تحت سيطرة فرعون ونفوذه، فكانت بمأمن من سيطرة وسطوة وجبروت فرعون، وهذا يدل على أنَّ موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" كان يمتلك المعلومات، والوعي اللازم، والمعرفة الواسعة تجاه عصره وزمنه، الوضع السياسي، والوضع العام في محيط مصر، والبلدان المجاورة لها؛ ولذلك اختار مدين كوجهة بناءً على هذه المعرفة؛ لأنها خارج سيطرة فرعون، وأنها المكان الأنسب لأن يتَّجه إليه جوانب متعدِّدة، هو يمتلك المعرفة عنها، وعن البيئة والوضع فيها أيضاً، ولكنه لا يعرف الطريق إليها، ولم يسبق له أن سافر إلى تلك المنطقة، هو كان مستقراً حيث هو في مصر، وليس له تجارب في السفر لمناطق بعيدة، والظروف التي قرَّر فيها الخروج والسفر إلى مدين ظروف استثنائية، في ظل خطر وتهديد أمني، والقرار كان فورياً؛ ولذلك خرج بسرعة، من دون أي تجهيزات، ومن دون أي استعداد، فتجمَّعت المخاطر على حياته حتَّى أثناء الخروج في الطريق، مع انعدام الإمكانات والتجهيزات اللازمة لمتطلبات السفر، واحتياجات السفر، والجهل بالطريق، هو لا يعرفها، هو يعرف الوجهة أنَّها في جهة كذا، لكن كيف هي الطريق؟ ومن أين؟ لا يعرف عن ذلك شيئاً، ولكن الظروف تستدعي أن يبادر بالخروج على أيِّ حال، وأن يتوكَّل على الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ ولهذا هو اتَّجه بناءً على ذلك: بناءً على اعتماده على الله، وتوكُّله على الله، مع كل هذه العوائق، والمعاناة التي تزيد من أعباء السفر:
- مخافة الغلط في الطريق، وما يترتب على ذلك.
- انعدام الإمكانات اللازمة لمتطلبات السفر، والاحتياجات الضرورية التي يحتاج إليها المسافر؛ لأن السفر كان في حالة مفاجأة، وقرار فوري.
- وكذلك المخاطر الأمنية من الطلب من الملاحقة.
فهو تجاه كل هذه المخاوف التجأ إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، قرأنا ما ذكره الله عنه: {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[القصص:21]، وهنا: {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ}[القصص:22]، وهذا التجاء إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأنه يخاف حتَّى من الغلط في الطريق، وينتج عن ذلك اتجاه إلى منطقة أخرى، أو إلى أماكن خطرة، فهو توكَّل على الله واعتمد عليه.
أين هي مدين؟ مدين منطقة ذات موقع جغرافي مميَّز، يعني: حينما نأتي إلى النظر إليها من جهة الشام (بلاد الشام): فهي في أقصى جنوب الشام، ومن جهة الحجاز: هي في أقصى شمال الحجاز، ومن جهة خليج العقبة: هي تقريباً جهة شرق خليج العقبة؛ فموقعها الجغرافي مميَّز، وهي محطة يصل إليها بعد الخروج من مصر، يعني: لو اتَّجهت من مصر وأردت الشام، ممكن أن تذهب عبر مدين، إذا اتَّجهت من نفس المسار، أو جئت من جهة الشام باتجاه الحجاز ممكن أن تمر منها، ولاسيَّما في تلك المرحلة التاريخية، كانت ذات موقع جغرافي مميَّز.
كان يسكن فيها نبي الله شعيب "عَلَيْهِ السَّلَامُ" وقبيلته، وتحدَّث القرآن عن قصة نبي الله شعيب، وعن حكايته مع قومه، في تفاصيل كثيرة، وكيف كانت رسالة، وعناوين رسالته إليهم، وما وصل إليه الحال بينه وبينهم، وكيف أهلك الله معظمهم؛ لأنه لم يؤمن معه إلَّا البعض منهم، ويظهر أنَّ هذه المرحلة مرحلة متأخرة عن ذلك، يعني: مرحلة متأخرة عمَّا حدث بقوم نبي الله شعيب "عَلَيْهِ السَّلَامُ" في هلاك المكذبين منهم، ثم في استقرار حال المؤمنين معه، ولربما امتد الوضع لمدَّة زمنية طويلة، حتَّى استقر الوضع في مدين من جديد، وأصبح هناك حالة عمران واستقرار، ووضع كامل لشؤون الحياة المختلفة: وضع زراعي، وضع لرعي الأغنام والمواشي، وضع استقرار وعمران في حياتهم؛ ولهذا يختلف عادةً المفسِّرون والمؤرِّخون، فيما يتعلَّق بتلك المرحلة التي ذهب فيها نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" إلى مدين، هل شعيب كان لا يزال فيها بنفسه على قيد الحياة؟ شعيب النبي، أم أنه شعيب شخص آخر من ذريته، أو من ذرية أحدٍ من أقاربه، أو المؤمنين معه؟ أو- بما يرجِّحه بعض المؤرِّخين وبعض المفسِّرين- أنَّه كان ابن أخ نبي الله شعيب "عَلَيْهِ السَّلَامُ".
على العموم تختلف الآراء، ويختلف النقل بين المؤرِّخين والمفسِّرين عن تلك المرحلة، لكن- لا شك- أنها مرحلة متأخرة زمنياً عن مرحلة هلاك المكذبِّين من قوم نبي الله شعيب، وأنَّها مرحلة كان قد استقر الوضع فيها هناك، في شؤون الحياة المختلفة: من عمران، من زراعة، من رعي أغنام ومواشي، من استقرار الناس، وفي وضعية أيضاً لم يعد فيها صراع في المجتمع ما بين مكذِّبين ومؤمنين، فأياً كان الشخص الموجود- الذي سيأتي الحديث عنه- الشيخ الصالح، أياً كان هو: هل هو شعيب، أم هو من أقاربه، أو من أبناء بعض أقاربه... أو غير ذلك؟ لا يهمنا هذا التفصيل في اختلاف النقل عنه، لكن يهمنا أن نحدِّد حول هذه النقطة، أنَّ المرحلة نفسها- فعلاً- كانت مرحلة متأخرة شيئاً ما عن مرحلة الصراع في المنطقة ما بين المؤمنين والمكذبين، ومرحلة الهلاك للمكذِّبين، وما يتَّصل بذلك.
على كلِّ، اتَّجه نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" إلى مدين، مع كل المخاطر التي أحاطت بسفره:
- مخاطر أمنية.
- ظروف في وضعه الشخصي، فيما يتعلَّق باحتياجاته، بمتطلباته، بإمكاناته.
- وأيضاً فيما يتعلَّق بالمعرفة للطريق، هو يعرف الجهة، لكن لا يعرف التفاصيل فيما يتعلَّق بالطريق، وفي بعض الأخبار أنه مشى في الصحراء لثمانية أيام متتالية، وواجه أعباءً في حركة السير، وهو يحرص على أن يمشي دون توقف؛ حتَّى لا يلحق به الأعداء... إلى غير ذلك من التفاصيل.
في نهاية المطاف وصل إلى مدين، وهذه مرحلة جديدة من حياته "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وسَلِمَ من كل مخاطر الطريق برعايةٍ من الله، وحينما وصل إلى مدين، إلى المنطقة، وصل كما في الآية المباركة: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}[القصص:23]، ورد ماء مدين، إمَّا أن تكون الطريق نفسها أو الوجهة التي كان يمشي منها، أفضت به إلى أن يتَّجه ابتداءً إلى المكان الذي فيه الماء، ويستقون منه سواءً لما يستقونه لأنفسهم، أو لمواشيهم ودوابهم، لكنه ورد باتجاه الماء، وهذا في تدبير الله، قد يكون- فعلاً- المدخل إلى المنطقة من ذلك الموقع، قد يكون في إطار أيضاً تدبير الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، على كل حال في إطار تدبير الله أن يتَّجه ابتداءً إلى موقع الماء.
الحالة التي وصل موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" وهو فيها، هي حالة تعب من أعباء الطريق، والسفر الطويل، والظروف الصعبة، ومع كلِّ ذلك لم تؤثِّر على روحية الإحسان والاهتمام بأمر الآخرين، مع أنَّه في ظروف يغرق الإنسان عادةً فيها في الانشغال بحال نفسه، وقد ينسى التفكير في الآخرين، خاصةً على مستوى قضايا تفصيلية مثلاً، حال إنسان هنا أو هناك، أو الانتباه بهذه الدِّقَّة والملاحظة لحالة مختلفة، وظروف مختلفة، فهو حينما وصل إلى هناك، يعاني من أعباء السفر ومتاعبه، وأيضاً يواجه كذلك معاناة كبيرة في وضعه، إلى أين سيتَّجه؟ ماذا سيفعل؟ هو في وضعية هو فيها غريب، ولا يعرف أحداً في المنطقة، وإلى أين سيذهب؟ كيف سيفعل بنفسه في حالة الجوع والتعب؟ كل الإشكالات والظروف وأنواع الأزمات والمعاناة موجودة في واقعه، هذا بالشكل الذي عادةً يشغل الإنسان عن التفكير في الأمور الأخرى، لكنه مع ذلك لم يغفل عن حال الآخرين.
{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ}[القصص:23]، {أُمَّةً} يعني: جماعة كبيرة وكثيرة، وهم يسقون مواشيهم ودوابهم، {وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ}[القصص:23]، وكان هذا المشهد ملفتاً له؛ لأنهما يذودان أغنامهما: يمنعان أغنامهما حتَّى لا تتَّجه إلى حيث أولئك، تدخل مع بقية الناس الذين يسقون دوابهم ومواشيهم، يعني: أنهُنَّ لا يريدن أن يدخلن في تلك الحالة لسقي الأغنام تلك.
{وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ}[القصص:23]: تمنعان أغنامهما من التَّقَدُّم إلى الماء، فلفت نظره هذا المشهد: الرعاة الآخرون يسقون أغنامهم، ودوابهم، ومواشيهم، ولكن فيما يتعلَّق بتلك المرأتين: {تَذُودَانِ}: تمنعان أغنامهما من التقدم إلى الماء، ومنعزلتان لوحدهما، فلفته هذا المشهد، لفت نظره؛ لاهتمامه بأمر الآخرين، ولأنه يحمل روحية الإحسان بشكلٍ عظيم ومميَّز، وهو في تلك الظروف التي قد ينشغل الإنسان بنفسه فلا يتذكر أي تفصيل آخر حوله، أهمه أمر المرأتين، لماذا هما بمعزل عن الآخرين؟ ولاهتمامه بادر هو ليسأل، لاهتمامه بادر هو ليسأل، هذا شأن من يهتم بأمر الآخرين، ويهمه أمر الآخرين، أنه قد يبادر هو، ويحرص على أن يعرف لماذا؟
في وضعيتنا- ولا سيَّما على التربية العامَّة في الواقع الإسلامي لهذه الأُمَّة- غابت روحية الإحسان، روحية الاهتمام بأمر الآخرين، لا نكاد نفقه الواقع الذي نشاهده، لا تكاد هذه الأُمَّة تتفاعل مع ما ترى وتشهد، مع ما يفرض نفسه عليها، من مآسي أبنائها، من معاناتهم، فما بالك بالمبادرة لمعرفة ما هو غامض، أو ما هو غير واضح، أو غير معروف، هو بادر، بل الكثير من أبناء هذه الأُمَّة ينزعج حتَّى حينما يذكِّره الآخرون بأمر من يحتاج إلى مواساة، إلى موقف، إلى مساندة، إلى اهتمام.
أمَّا هو فاتَّجه ليسألهما، مع أنَّه متعب جداً من أعباء الطريق، وفي حالة غربة، وفي ظروف هو بحاجة من يواسيه، من يهتم بحاله، {مَا خَطْبُكُمَا}[القصص:23]، يعني: ما شأنكما، ما هو السبب في وضعكما أنكما تذودان أغنامكما وتنعزلان؟
{قَالَتَا لَا نَسْقِي حتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}[القصص:23]، فَهُنَّ لا يزاحمن الآخرين، وينتظرن حتَّى يكمل الرعاة سقي مواشيهم ودوابهم، ثم يسقين أغنامهما، وليس هناك من يقوم بالعمل غيرهما، يعني: حينما قالا: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}[القصص:23]، ليس لديهما أخ مثلاً، أو أقارب آخرون، وأبوهما لا يستطيع أن يقوم بهذه المهمة، {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}[القصص:23].
هنا نجد كيف حرص على الاهتمام، وكيف حمل روحية الإحسان، لكن ما قبل هذه النقطة، نلحظ ما هُنَّ عليه من الحشمة، يعني: حرصهن على ألَّا يزاحمن بقية الرجال والآخرين والرعاة، هذا يفيد عمَّا هنَّ فيه من تربية إنسانية، وأخلاقية، وإيمانية، قائمة على العفة، والحشمة، والحياء، وهذا الاحتشام الذي هُنَّ فيه، وهذا الاهتمام بألَّا يزاحمن الآخرين، وينتظرن حتَّى يكمل الرعاة ثم يسقين أغنامهما.
هذا درس (درس في القيم، درس في الأخلاق)، ولاسيَّما أننا في مرحلة من أكبر ما يركِّز فيها اليهود، والحركة الصهيونية في العالم، وكل أعوانهم في الغرب والشرق، على استهداف المرأة في حشمتها، في حيائها، وفي قيمها العظيمة جداً، القيم التي تصونها، تحافظ عليها، تحفظ لها كرامتها، تحفظ لها شرفها، تحفظ لها مع الكرامة القيمة عند الله، المنزلة الرفيعة عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، هذا درسٌ مهمٌ جداً.
وكيف كان نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" يحمل روحية الإحسان؛ ولذلك بادر هو- وفي ذلك الحال من التعب بعد سفرٍ طويل، وفي حالة غربة- ليسقي لهما، لم يقول مثلاً: [خير، امسكِنَّ طابور، ثم بعد أن يخرجوا... أنا تاعب لا شأن لي بكما، وإلا كنت- مثلاً- سأسقي لكما]، ونلحظ هنا في وضع نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" دِقَّة الملاحظة، يعني: ينتبه للوضع الذي في محيطه، وفي واقعه، ويحمل روحية المبادرة، والإحسان، والرحمة بالمستضعفين، هذا الاهتمام الذي يمتلكه، ليس مِمَّن يغفل، ولا يبالي، ولا ينتبه، ولا يلتفت إلى الواقع من حوله.
بالنسبة لهما- بالتأكيد- كانت عودتهما في ذلك اليوم بالتحديد إلى المنزل مبكِّرة عن كل يوم، وتبعث على تساؤل والدهما، كيف عادتا مبكِّرتين؟ وأيضاً أطلعا والدهما على القصة: قصة هذا الرجل الشاب الغريب، الذي يحمل هذه القيم: روحية الإحسان، والمعروف، والشهامة، وكيف بادر ودخل هو يزاحم الرعاة، ويسقي لهما، ويقدِّم هذا المعروف إليهما، وما أعظم المعروف والإحسان! وكيف كان هذا العمل من الإحسان والمعروف فاتحة خير، وسبباً لخيرٍ عظيم.
بركات الإحسان بركات واسعة، يعني: قد يكون دلو ماء، أو عِدَّة دلاء فرَّغها ليسقي لهما أغنامهما، البعض يقولون: أنَّ الدلو كان كبيراً، وكان يحتاج إلى مجموعة من الرعاة لنزع الماء فيه، وهو نزعه بمفرده؛ لأنه كان قوي البنية الجسدية، وسقى لهما، ذلك الدلو كان مفتاح خير كبير له، من بركات الإحسان، وفي إطار تدبير الله الحكيم.
موسى، بعد السقي لهما، وقد وصل إلى مدين، وهو في تلك الظروف في نقطة الصفر في أحواله، ما بعد ذلك قال الله عنه: {ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ}[القصص:24]، ليس هناك في المنطقة من يعرفه ليذهب إلى منزله، أو مأوى يأوي إليه، اتَّجه إلى ظل، قد يكون ظل شجرة، ليجلس فيه من حرارة الشمس وهو متعب، جائع، غريب، بلا مأوى، يعاني من كل أنواع الأزمات، والفقر، كل أنواع الأزمات: غربة، وفقر، ولا مأوى، وجوع، وتعب، ولكن بالرغم من ظروفه تلك، إلَّا أنَّه كان عظيم الثقة بالله، هذا كان واضحاً في حاله، عظيم الثقة بالله، وكان معتزاً بموقفه (موقفه الحق) الذي من أجله هاجر، ودخل في كل هذه الظروف والأوضاع، كان غير نادم، لم يكن متأوِّهاً على ما فاته بسبب موقفه، مِمَّا كان فيه من نعيم، ومقام رفيع، بل كان في حالة المرتاح لِمَا هو عليه؛ باعتباره وقف موقفاً صحيحاً وحقاً، وكانت حالته حالة من هو مرتبطٌ بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، واثقٌ بالله، يعلم أنَّ ما لدى الله أفضل، وأعظم، وأهم مِمَّا لدى الآخرين، وأنَّ الارتباط بالله أفضل وأهم من الارتباط بالآخرين، مثل: فرعون، ومقام فرعون، ونعيم فرعون... وغير ذلك.
ثقته بالله لا تتضعضع مهما كانت الظروف، لا تهتز مهما كانت المعاناة، فهو يثق بأنَّ الله لا يضيِّع أولياءه، ولم يكن تفكيره في تلك الأحوال- مثلاً- أن يعود، أن يعتذر من فرعون، أن يندم على ما وصل إليه من ظروف مختلفة؛ ولهذا في تلك الحالة التي هو فيها في نقطة الصفر، قد فقد من كل ما يتعلَّق بالإمكانات والاحتياجات الحياتية كل شيء: المأوى، وهاجر عن أسرته وبلده، وكذلك ترك كل شيء، في تلك الحال اتَّجه إلى الله، والتجأ إلى الله، {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}[القصص:24]، التجأ إلى الله بهذا الدعاء المعبِّر عن حاله وظروفه، بعد أن وصل إلى نقطة الصفر، وهو فقير إلى كل خير، يعني: محتاجٌ إلى كل شيءٍ من الله.
في هذه الحالة، التي وصل فيها إلى هذه الظروف، كيف بدأ المشوار التصاعدي، الذي يبرهن على أنَّ الله لا يضيِّع أولياءه، من بعد تلك الحادثة، وهذا التعبير الجميل لشهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ": ((كيف بدأ المشوار التصاعدي، الذي يبرهن على أنَّ الله لا يضيِّع أولياءه؟)).
فعلاً، رعاية من الله كاملة وشاملة أتت لموسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، بعد أن وصل إلى نقطة الصفر، ليبدأ في مسار تصاعدي من الرعاية الإلهية؛ ولهذا أتى التعبير القرآني: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}[القصص:25]، بـ (الفاء) الذي يفيد التفريع على دعائه، والتجائه إلى الله، كيف هيَّأ الله متغيرات كاملة لظروف حياته، فتأتي الرعاية من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" ابتداءً بما يؤمِّن لموسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" كل المتطلبات الأساسية: الأمن في أولها، وهو كان خائفاً، وكذلك المأوى، والسكن، والزوجة، والمعيشة، والعمل، بل حتَّى الرعاية الأبوية في تلك الظروف، وحتَّى في بيئة مناسبة، مختلفة عن البيئة السابقة التي كان فيها.
{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}[القصص:25]، جاءت واحدة، {إِحْدَاهُمَا} واحدة منهما، من المرأتين، وعبَّر القرآن بهذا التعبير: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}[القصص:25]، بما يفيد عمَّا كانت عليه من الحياء الشديد، حتَّى في حركتها، في مشيتها، والحياء هو خلقٌ كريم، من أهم مكارم الأخلاق، له موقعه المهم في مكارم الأخلاق؛ لأنه أيضاً خُلُق يجمع أخلاقاً كثيرة، وقيماً رفيعة، ويدل على تربية راقية، وهو مهمٌ للرجال والنساء جميعاً، الخُلُق نفسه، هذا الخُلُق الكريم (الحياء نفسه)، وهو أيضاً من الأخلاق التي تعطي للمرأة ميزةً مهمة، مع أنَّه خُلُقٌ مهم، كريم، وعظيم، للرجال والنساء، في الحديث النبوي الشريف: ((الحَيَاءُ مِنَ الْإِيْمَان، وَلَا إِيْمَان لِمَن لَا حَيَاء لَهُ))، له هذه المنزلة، حتَّى في الحساب الإيماني، في الاعتبار الإيماني، لا يمكن أن تكون مؤمناً بدون حياء، وأنت لا تمتلك ذرةً من الحياء.
الإنسان المؤمن في مقدِّمة ما يتعلَّق بعلاقته بالله: أنه يستحيي من الله، حياؤه من الله أولاً قبل كل شيء، ثم حياؤه في حالته، في أخلاقه، في معاملاته، من كل ما ينبغي الحياء فيه، فهو من القيم الإيمانية الرفيعة، وأيضاً المستهدفة، المستهدفة من الأعداء اليهود الصهاينة، في حربهم الشيطانية المفسدة، ويركِّزون على استهداف المرأة فيما يتعلَّق بالحياء، يحاول أن يفرِّغوها من حالة الحياء، حتَّى تصبح بدون حياء؛ وبالتالي تكون جريئة، على المخازي، على الفضائح، على المفاسد، على الرذائل؛ لأن الإنسان إذا فقد الحياء، امتلك الجرأة في الإقدام على كل الأمور المخزية، بل المسألة هذه تتعلَّق بمقدار ما يمتلكه الإنسان من الحياء، كلما نقص حياؤه؛ كلما كثرت جرأته تجاه الأمور المخزية، التي تتنافى مع القيم الإنسانية، مع الكرامة الإنسانية، مع القيم الإيمانية... وغير ذلك.
ومقام الحياء هو تجاه ذلك، يعود إلى مسألة استحياء الإنسان- باعتبار الكرامة الإنسانية، والقيم الإيمانية- من كل الأمور المخزية، الأمور التي تتعلَّق بالرذائل أو المفاسد أو القبائح، أو الأعمال المسيئة، التي لا تليق بكرامة الإنسان، بمقامه، بقيمه؛ ولهذا نجد في هذا الحديث النبوي هذا التعبير: ((الحَيَاءُ مِنَ الْإِيْمَان، وَلَا إِيْمَان لِمَن لَا حَيَاء لَهُ)).
وفي حديثٍ آخر: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُ الحَيِيّ الحَلِيم، العَفِيف المُتَعَفِّف، وَيُبْغِضُ البَذِيء الفَاحِش، المُلِح المُلحِف))؛ لأن البذيء: قليل حياء، لا يستحي، يتكلم بالبذاءة، بكلامٍ بذيء يتورَّع منه من يحترم نفسه، من يحترم كرامته الإنسانية؛ الفاحش كذلك: جريء في الأمور السيئة، في الأمور الفاحشة، في الأمور الفظيعة، المخزية... وهكذا.
في حديثٍ آخر: ((لِكُلِّ شَيْءٍ خُلُق، وَخُلُقُ الإِنْسَانِ الحَيَاء))، يعني: ذو قيمة إنسانية، تميِّز الإنسان حتَّى من الحيوان، الحيوان لا يمتلك هذه القيمة: (الحياء)، يتصرف بدون حياء، الحيوانات تتصرف في كل أمورها بدون حياء، لا ترى في الحيوانات هذه القيمة الأخلاقية، مثلاً: حمار فيه حياء، أو قرد فيه حياء... أو أي حيوان آخر، أو جمل يستحيي، أو هر... أو أي حيوان من الحيوانات، لكن هو قيمة إنسانية، إذا فقدها الإنسان، فقد قيمة من أهم القيم التي تميِّزه كإنسان، فمع الإيمان أيضاً تترسَّخ هذه القيمة، هذا الخُلُق الكريم، ينمو في واقع الإنسان وفي تصرفاته، فهو عنوان عظيم، يجمع ما عليه تلك الأسرة الكريمة من مكارم الأخلاق، ومن تربية راقية.
{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}[القصص:25]، هذا مهم، ومهم للرجال وللنساء، للشباب وللناشئة، أن يحافظ على هذا الخُلُق الكريم، وأن ينتبهوا من الحرب الشيطانية، اليهودية، الصهيونية، المفسدة، المضلَّة، الناعمة، التي في مقدِّمة ما تستهدفه: هذا الخلق الكريم.
حينما وصلت إليه، {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}[القصص:25]، حتَّى في منطقها يعني منطق طبيعي، ليس فيه أي عبارات تتنافى مع الحياء، قالت له بشكلٍ مباشر خلاصة ما قاله أبوها، {قَالَتْ إِنَّ أَبِي}[القصص:25]، بهذه العبارة المؤكِّدة، {يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}[القصص:25]، فهي أبلغته بطريقة محترمة، دعوة والدها، واستضافته له؛ ليجزيه أجر معروفه، وهنا تبرز الشهامة والمعروف لدى ذلك الشيخ الكبير الصالح، الذي يمتلك هذه الشهامة والتقدير للمعروف، يعني: حينما أخبرته ابنتاه عن إحسان ذلك الرجل، عن معروفه، وبتوفيق من الله، وهداية من الله، وتدبير من الله، لكن يجري الخير على يدي أهله، وأيدي أهله، هذا مهم جداً، درس مهم في التقدير للمعروف، التقدير للإحسان، أن يكون الإنسان مِمَّن يقدِّر المعروف، حرص على مكافأة هذا الرجل الذي سقى لابنتيه، واستدعائه ليجزيه أجر ما سقى، يعني: ليكافئه على معروفه.
فذهب موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" معها، ووصل إلى ذلك الشيخ الصالح، وبالتأكيد بعد أن وصل إليه تعارفا، وفي إطار هذا التعارف، اطمأن موسى إلى ذلك الشيخ، إلى تلك الأسرة الكريمة؛ ولهذا قصَّ قصته كاملةً على ذلك الشيخ؛ لأنه اطمأن إليه، وارتاح إليه، ولاحظ ما هو عليه من أخلاق كريمة، ومن قيم رفيعة، {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ}[القصص:25]، عادةً يقصُّ الإنسان قصته، وهمومه، وأوضاعه، إلى من يطمئن إليه، ومن يرتاح له، ومن يثق به.
ذلك الشيخ الصالح طمأن موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، {قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[القصص:25]، فهو بشَّره أولاً بهذه البشارة: بنجاته منهم؛ لأنه لم يكن لفرعون أي سلطة ولا سيطرة هناك في مدين.
نكتفي بهذا المقدار.
وَنَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

