السياسية || صلاح المقداد *

لا يخفى عن اللبيب الفطن أن ألاعيب الديبلوماسية والمفاوضات التي سبقت الحرب العدوانية الحالية على إيران حول برنامجها النووي وصواريخها ، وما تعنيه كدولة اقليمية لا يستهان بها ، وقوة حضارية وتاريخية يمتد عمرها لستة ألف عام ، لم تكن في الأشهر القليلة الماضية التي سبقت الحرب إلا تغطية لما يُبيته لها الأعداء من صهاينة وأمريكان من شرٍ مُستطير ، بل إن الأمريكيين والصهاينة كانوا يضمرون الشر لإيران ، وهم في الأساس والأصل كانوا قد بيتوا نيتهم الشريرة الخبيثة للعدوان عليها والقضاء عليها بغض النظر عن نجاح المفاوضات الديبلوماسية مع طهران حول برنامجها النووي ، لتخلوا لهم الطريق بعد ذلك لتنفيذ أجندتهم ومشاريعهم الهدامة التي أعدوها لعموم المنطقة وهي تشمل إعادة رسم خارطتها واسقاط دول وفرض أخرى تكون دمى تابعة لهم .

واللافت أن الأمريكان والغرب كانوا في كل مرة يفاوضون فيها إيران على ما تعنيه كدولة ذات سيادة ولها تحالفاتها وتأثيرها القوي على الأوضاع في المنطقة والعالم ، ولها الحق في التطور وامتلاك القوة واسلحة الردع واتخاذ القرارات الوطنية والسيادية التي تراها مناسبة ، كانوا يبيتون النية سلفًا للعدوان عليها ومواصلة خنقها بالحصار والإستهداف الممنهج لها ككيان سياسي وعسكري وإقتصادي اقليمي ودولي قوي عبر أكثر من وسيلة وطريقة ، حتى وصلوا أخيراً إلى اعلان الحرب عليها واستهداف قادتها السياسيين والعسكريين بالإغتيال والتصفية ، إعتقاداً منهم أنهم سيقضون عليها كتهديد وخطر وجودي لهم ولمصالحهم في المنطقة ، وقد خانهم ذلك الإعتقاد الخاطئ ، بإعتبار إيران أكبر وأقوى مما يتصورون ويتوهمون ، وستثبت لهم الأحداث ذلك عاجلاً أو آجلاً .

وبحسب آراء المُحللين السياسيين والمُتابعين بإهتمام لمُجريات الأحداث العاصفة بالخليج والمنطقة المُستهدفة بالتغيير وإعادة التموضعات ورسم الخرائط وتحديد الأدوار ومن يبقى ومن سيرحل ؟ ، " لم يعد المشهد الحالي على سخونته وتفاعلاته العديدة مُجرد تحركات عسكرية روتينية محدودة الأهداف والغرض ، أو مناورات لترميم الردع ، بل إننا نعيش صمتًا ثقيلاً يُشبه الذي يسبق العواصف الكبرى" .

ووفقًا لخبراء إستراتيجيون : "فحين تعبر الأساطيل المُحيطات لتستقر في مياهنا وتتحول القواعد العسكرية الأمريكية في دول المنطقة التي تتواجد بها إلى ثكنات مُستنفرة وتخرج التصريحات السياسية كطلقات مُحذرة ، ندرك أن ثمة قرار مصيري يُطبخ في غرف الصمت على نارين هادئة ومُشتعلة في الوقت نفسه" .

ومنطقة الخليج اليوم بحسب آراء الخبراء والمحللين السياسيين الذين يتابعون الوضع والتطورات الراهنة عن كثب ، لا يقف أمام أزمة عابرة وآنية ستمر مرور الكرام وانتهى الأمر ، بل إن هذه المنطقة الحساسة من العالم الغنية بالنفط ومصادر الطاقة " تبدو على حافة لحظة تاريخية فارقة ومصيرية ، لحظة ستنزع الأقنعة عن الوجوه وتكشف حقيقة الصراع المحتدم حاليًا بوصفه صدامًا بين إرادت لا تنحني ، لا مُجرد خلاف على تفاصيل تقنية ، أو ذرائع دبلوماسية" .

وفي هذا السياق يقول الكاتب والباحث العربي محمد بن علي بن ضعين البادي في مقال له حول صراع الإرادات ولعبة الخرائط المُشتعلة نُشر في فبراير المنصرم :"إن التاريخ في صرامته لا يُحابي أحداً ، وهو يُخبرنا بوضوح أن القوى العظمى وفي مقدمتها واشنطن لا تُحرك بوارجها بدافع أخلاقي ، بل خلف بوصلة استراتيجية ترى في منطقتنا مفتاح السيادة العالمية ، بإعتبار أن من يسيطر على هذه الجغرافيا يمسك بزمام القرار الدولي
وأن من يهيمن على شريان الطاقة ، يملك توقيت نبض العالم " .

وحول هذه النقطة بالذات أوضح البادي في مقالته ذات الصلة بالموضوع قائلاً :"إن إيران لم تكن مُستهدفة يومًا لحدث طارئ ، بل لأنها اجترأت على اقتراف "الجريمة الكبرى في عُرف الإمبراطوريات والقوى الإستعمارية العالمية والمُتمثل برفضها التبعية لها ، وإختيارها عدم الذوبان في القالب الأمريكي ، وتمسكها بموقفها وقرارها الوطني الرافض تسليم مفاتيح سيادتها لمن يسكن خلف البحار ." .

وهذا التمرد الإيراني بحسب الكاتب والباحث البادي وغيره من الباحثين والمحللين السياسيين ، على ما سماه "النموذج المفروض" من قبل الغرب وأمريكا وحليفتهما المدللة إسرائيل ، هو ما تخشاه واشنطن أكثر من الصواريخ ، فنجاح أي نموذج مُقاوم ومُمانع كإيران يرفض الإملاءات يتحول إلى عدوى لا يمكن لجمها بسهولة .

ولا خلاف بين من يتابعون بإهتمام مجريات الحرب والعدوان الإسرائيلي - الأمريكي الحالي على إيران حول طبيعة وحقيقة خطأ من يظنون بوعي غائب ، أن كرة النار ستتوقف عند حدود طهران فقط ، وقالوا :" إنه بعد اسقاط إيران وتطويعها وإخضاعها إن تم لا سمح الله سيأتي الدور على البقية حتى أولئك المتحالفين مع أمريكا وصولاً إلى اخضاع الجميع دولاً وشعوباً لإسرائيل الكبرى التي يجري التحضير والإستعداد لإستكمال بنائها وتوسيع مساحتها الجغرافية لتمتد من الفرات إلى النيل" .

وبين أصحاب ذلك الرأي والتصور الأقرب إلى الواقعية والمصداقية فيما يتعلق بذات الموضوع والشأن :" إن الخرائط في هذه المنطقة مُترابطة كأوعية دموية ، ولم يكن العراق إلا فصلاً ، ولم تكن ليبيا أو أفغانستان من قبل ، إلا تمهيداً لما جرى بالأمس القريب ويجري اليوم" .

والجميع يرون أن ما يجري اليوم في المنطقة على خطورته من استباحة وانتهاك لسيادة الدول من قبل أمريكا وحليفتها وربيبتها إسرائيل لا يعني إلا أنه عدوان همجي سافر وغير مبرر ولا مقبول ، وفي يقين الكل " إن أي محاولة لكسر كيان اقليمي قوي بحجم إيران ، لن تكون (جراحة نظيفة) أو نصراً خاطفًا ، بل سيكون ذلك زلزالاً سياسياً سيُعيد رسم الوجود وخريطة المنطقة عامةً بالدم ، ويُفجر فوضى عابرة للحدود تمتد من بحر العرب إلى شرق المتوسط " .

وفي ظل مشهد قاتم كهذا وعلى ضوء نتائج الحرب العدوانية الحالية على إيران فما من شك:" إنه سينجم عن هذه الحرب والعدوان الصهيوني الأمريكي على إيران اختناق شرايين الملاحة وسيشهد العالم والمنطقة اهتزاز عروش الإقتصاد العالمي ، الأخطر أن منطقة الخليج الملتهبة لن تجد نفسها بعيدة عن ألسنة اللهب التي اشتعلت اليوم بإعلان الحرب على إيران ، وأن دول الخليج ستكوى بنيرانها وتُمس بضررها مالم تتخذ موقفًا مُغايراً ومخالفًا للموقف الأمريكي والإسرائيلي من العدوان على إيران وهذا مُستعبد .

وبإتساق آراء المتابعين لما يجري فبعد اعلان الحرب الأمريكية الإسرائيلية اليوم على إيران ، "فأن الجغرافيا في المنطقة لا تمنح حصانة لأحد حين يضطرب الأمن الكلي وتتمزق شبكه الإستقرار التي تربط بين الجميع من أبناء وشعوب المنطقة" .

ونجد أنفسنا هنا مُتفقين مع ما أشار إليه الكاتب والباحث البادي بوضوح ، وهو يقول :" إن الغرور هو العلة المُزمنة التي أسقطت إمبراطوريات روما وبريطانيا والسوفييت ، وهو ذاته الغرور الذي يعمي اليوم من يظن أن القوة المُطلقة تضمن نصراً بلا ثمن ، فإيران بعمقها السكاني وعقيدتها الصلبة وشبكات نفوذها المُعقدة ، ليست رقمًا سهلاً يمكن محوه بضربة واحدة ، إننا أمام مُفترق طرق حضاري يضع الحكمة في كفة والإندفاع في كفة أخرى ، فإما أن يسود منطق الواقعية ويُعاد ترتيب الأوراق بعقول باردة قبل أن تأكلها النار ، وإما أن تُترك الأزمات لتهورٍ لا يرى أبعد من فوهة البندقية" .

ولا يختلف إثنان أن المعتوه المأفون ترامب بإعلان الحرب العدوانية الحالية على إيران بمنتهى الحقد والغطرسة يجر المنطقة والعالم إلى عواقب لا يُحمد عُقباها ، ومن أجل أن ترضى عنه إسرائيل يجلب فرعون العصر ترامب المُجلل بعار فضائح جزيرة إبستين الجنسية للعالم بأسره بتلك الحرب خُسرانًا مُبينا لن يتوقف عند حدود مُعينة ومحدودة .

والواهمون من العرب يعتقدون وهم خاطئين ، أن سقوط إيران وإزاحتها والقضاء عليها سيبني لهم قصوراً من الأمان والإستقرار لدولهم الهشة ، بل إنهم سوف يستيقظون غداً ليجدوا أنفسهم الحلقة الأضعف في لعبة أمم ودول لا ترحم ، بإعتبار هذه الحرب التي اندلعت بالخليج ليست مجرد صراع محدود بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل فحسب ، بل هي صراع ومعركة مصيرية بين مشروع استعماري تمثله أمريكا وإسرائيل وغايته فرض هيمنته الأحادية على المنطقة والعالم ، وبين مشروع مُمانع ومقاوم وصاحب حق تمثله إيران ومن معها ، يصر ويتمسك بخيار البقاء حُراً أبيًا مهما كلفه ذلك من ثمن .

والخلاصة إن هذا الصراع المحتدم حاليًا في المنطقة إنما هو صراع بين من يمثلون الحق وبين من يمثلون الباطل ، ومهما لحق بإيران في معركتها الحالية مع أعدائها وأعداء الأمة كافة من خسائر فادحة وتدمير لبنيتها التحتية وفقد لأعزة وأحبة يسقطون شهداء في هذه الحرب التي فُرضت عليها ، فإنها ستظل هينة مع ما يعني ثباتها وبقائها كقوة عظيمة تمثل الحق وأهله وعصية على الإنهيار والسقوط بسهولة ، وأخال ترامب والنتن الحقير قد فتحا بحربهما الحالية على إيران دون وجه حق ، على أمريكا وإسرائيل أبواب الجحيم وتوهما أن الحرب نزهة وتنتهي ، ولكن هيهات أن يتحقق سوء ظنهما ، وغداً يعضان بفعلتهما تلك أصابع الندم ولله عاقبة الأمور ، ومكروا مكرهم والله خير الماكرين ، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ! .

* المقال يعبر عن رأي الكاتب