السياسية || محمد محسن الجوهري*

منذ تأسيس الممالك الخليجية وهي تراهن على حماية الغرب على وجودها ولذلك جندت سياساتها وإعلامها وحتى اقتصادها لدعم المشاريع الغربية وأولها المؤامرة الصهيونية على أبناء الأمة، ولكن ذلك الرهان لن يستمر طويلاً، فالشعوب التي تحتمي بغيرها لا بد وإن تنهار عند أول اختبارٍ فعلي، وهذا ما ينتظر دول الخليج من بعد الضربات الموجعة التي أفقدتها الأمن والأمان والرفاهية المطلقة.

لقد قامت الرفاهية الخليجية بالأساس على صناعة "صورة ذهنية" سوّقت المنطقة كـ "واحة أمان " وسط إقليم يغلي بالحروب والاضطرابات. هذه الصورة كانت هي "المغناطيس" الذي جذب رؤوس الأموال العالمية، وشركات التكنولوجيا، وملايين السياح، وحتى الكفاءات البشرية. لكن القصف الإيراني الحالي على القواعد الأمريكية وما يتبعه من ارتدادات، كفيل بنسف هذا المفهوم من جذوره.

لقد استثمرت دول الخليج مئات المليارات في منظومات الدفاع الجوي الغربية (باتريوت، ثاد، وغيرها) للترويج بأن سماءها "محرمة" على الاختراق. إلا أن وصول المسيرات الانتحارية والصواريخ الفرط صوتية إلى أهدافها في قلب الحواضر الاقتصادية، أثبت أن هذا الدرع ليس سوى "غربال" أمام التكنولوجيا العسكرية الحديثة. هذا الانكشاف حوّل الشعور بالأمان المطلق إلى حالة من "الذعر الوجودي"، حيث أدرك المقيم والمستثمر أن الأبراج الزجاجية الشاهقة ليست سوى أهداف هشة في حرب لا ترحم.

إضافة إلى ذلك، فإن الاقتصاد الخليجي يعتمد على قطاعات "حساسة للأمن" بشكل مفرط، مثل الطيران العالمي، السياحة الفاخرة، والمراكز المالية. والقصف الحالي وجه ضربة قاضية لثقة شركات التأمين العالمية، فعندما ترتفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى مستويات فلكية، وتوضع المدن الخليجية على "القوائم الحمراء" للسفر، فإن "واحة الأمان" تتحول فجأة إلى "منطقة طاردة" لا يمكن أن تصمد أمام دوي الانفجارات.

وحتى القواعد الأميركية التي جاءت لحماية الرفاعية والاستقرار تحولت إلى عبء على دول الخليج، واليوم، يرى المواطن الخليجي أن هذه القواعد أصبحت "مغناطيسًا للموت". فبدلاً من أن توفر الأمن، جلب وجودها الصراع إلى عقر الدار. وهذا التحول نسف العقد الاجتماعي الضمني؛ فالدولة التي كانت تعد بالرفاه مقابل الصمت، باتت اليوم تعجز عن توفير أبسط مقومات الأمن الشخصي لمواطنيها في ظل صراع إقليمي هي فيه "طرف مستهدف" بحكم الاستضافة العسكرية للغرب.

لقد تأكد للعالم أن الرفاهية القائمة على الحماية الأجنبية هي رفاهية "معارة" يمكن سحقهابصاروخ واحد. وأمام الواقع الجديد تحولت دول الخليج إلى منطقة حروب وأصبحت هي "قلب المحرقة" التي طالما أغرقت بها جيرانها، وهو ما يضع نهاية حتمية لعصر الرخاء المستقر الذي استمر لنصف قرن.

وبذلك ينتهي عصر 'الاستثناء الخليجي'، وتسقط أسطورة الواحة المحمية' خلف الأسوار الأمريكية. والصواريخ التي تنهمر اليوم على القواعد الأجنبية تهدم ثقة جيل كامل كان يعتقد أن المال يشتري الأمن، وأن الغرب سيموت دفاعاً عن رفاهية الآخرين. وها هو الخليج يواجه قدره الجغرافي وجهاً لوجه، بعيداً عن أوهام الحماية وبهرج الرخاء الزائف.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب