السياسية || محمد محسن الجوهري*

المستعربون" في الإعلام الحديث مصطلح يشير إلى جماعات صهيونية تتنكر بملامح عربية، بهدف تنفيذ عمليات عسكرية أو استخباراتية داخل التجمعات الفلسطينية، سواء في الضفة والقطاع أو حتى داخل الأراضي المحتلة سنة 1948، أو ما يعرف بمناطق الخط الأخضر. وقد نشطت هذه الجماعات منذ فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين (1917-1948) وحتى اليوم، حيث تحولت إلى أكثر من سبع فرق تنشط في أغلب الدول العربية. وأهمها بحسب المعهد الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار":

• فرقة "دوفدفان": التابعة للجيش الصهيوني، وكانت تضم عند تشكلها جنوداً من وحدات الكوماندوز البرية والبحرية.
• وحدة "ي. م. س": وهي تابعة لما يسمى بقوات "حرس الحدود"، وتنشط أكثر في الضفة الغربية. وتعد هذه الوحدة من وحدات "النخبة"، وتتعاون في عملها مع جهاز الأمن العام "الشاباك".
• فرقة "متسادا": التابعة لسلطة السجون، وتُستخدم لقمع المظاهرات، وأسست في أوائل عام 2000، وهي متخصصة في تتبع الفلسطينيين وإلقاء القبض على الهاربين من السجون.
• فرقة "غدعونيم": وحدة تتبع الشرطة، أُنشئت عام 1990 بوصفها وحدة مهمات خاصة، وأُسست داخلها فرقة مستعربين تعمل بشكل خاص في مدينة القدس.

ورغم حجم الإجرام الذي تمارسه عصابات المستعربين، إلا أن نشاطها يبقى في الأغلب طي الكتمان، حيث تتحرك بشكلٍ سري لتنفيذ عملياتٍ حساسة، ولتصفية قيادات وكوادر فلسطينية في حال فشلت أجهزة الأمن الأخرى في إنجازها، خاصة خلال انتفاضة الأقصى التي انطلقت شرارتها عام 2000، ونفذ خلالها المستعربون القتل والخطف لأعداد كبيرة من "أطفال الحجارة" ولقيادات ميدانية.

إلا أن الأخطر والأكثر كارثية في هذا الملف يمتد ليشمل نشاط المستعربين وتغلغلهم في مفاصل الدول العربية الأخرى؛ حيث تشير القراءات الأمنية والسياسية إلى وصول "مستعربي السياسة" إلى مراكز صنع القرار السيادي، والتحكم بمفاتيح السياسات العليا للدول. وهؤلاء يتحركون بسلاح "توجيه الوعي" وصناعة الرأي العام عبر أدوات الدعاية الممنهجة، واختراق المؤسسات الدينية والإعلامية لتمييع الثوابت الوطنية.

ومن هنا، لا يبدو مشهد "هرولة التطبيع" المتسارع في العالم العربي غريباً، رغم بشاعة المجازر الصهيونية في غزة والضفة، إذ إن القرار السياسي في بعض العواصم بات مرتهناً لأجندات غريبة، مما يفتح الباب للتساؤل المشروع: هل بات بعض الحكام والمسؤولين العرب مجرد "مستعربين" بأسماء عربية، ينفذون من الداخل ما عجز الاحتلال عن تحقيقه من الخارج؟

أمام هذا الواقع المرير، غدت "الصحوة العربية الشاملة" ضرورة وجودية وذلك لتفكيك خيوط هذه المؤامرة التي تستهدف استئصال الهوية العربية وتدجين الشعوب. لقد جاءت "ملحمة غزة" اليوم لتكون الغربال الذي فضح الجميع، وأسقط الأقنعة عن الوجوه المستعربة، فلم يعد هناك منطقة رمادية للتفريق بين المناصر الحقيقي للحق الفلسطيني وبين المتخاذل المتواطئ. فالمعركة اليوم هي معركة وعي بالدرجة الأولى؛ فإذا لم تستفق الشعوب وتدرك حجم الاختراق في أنظمتها، فإن المستعربين ماضون في إحكام قبضتهم لقمع ما تبقى من أصوات حرة، مستندين إلى نشاط استخباراتي صهيوني لا يعرف الكلل، ولا يؤمن بـ "السلم" إلا كغطاء لتمرير مخططات السيطرة والهيمنة.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب