السياسية || محمد محسن الجوهري*

بوصول الإنجليز إلى جنوب اليمن واحتلالهم لها بالقوة، كانت الماسونية مواكبة للاحتلال منذ قدومه وحتى رحيله مرغماً عن البلاد اليمنية في نوفمبر 1967م. كانت المحافل الماسونية حاضرة في مدينة عدن، وفيها تمت ممارسة الطقوس المعروفة عن الماسونيين، والأخطر أن تلك المحافل جندت الكثير من اليمنيين وهيأتهم لاقتحام دهاليز السياسة والاقتصاد والإعلام؛ بهدف خلق ثقافة أخرى مناقضة للحق، غايتها حماية الصهيونية والتمهيد لاحتلال فلسطين وتسليمها لليهود.

كان أشهر تلك المحافل "بنغلة الشيطان" في المعلا، وقد أطلق عليه الأهالي هذه التسمية بسبب الغموض الذي لفّ المبنى والطقوس التي لازمته منذ تأسيسه سنة 1850م، إلا أن مصادر عدنية تشير إلى أن محفل المعلا لم يكن الأول كما لم يكن الوحيد في عدن؛ فقد انتشرت في المدينة محافل أخرى صغيرة بدأت داخل المعسكرات البريطانية، وجميعها تمارس الطقوس نفسها. كان لتلك المحافل نشاط استقطابي بين السكان المدنيين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية والفكرية والدينية، حيث يتم اختيار الأعضاء بعد اجتياز اختبارات تُحدد وفق وثائق المحافل العظمى ووفقاً لطقوس خاصة. فاتخذت بعض المنازل في التواهي وعدن -ومنها حافة (الزعفران) وخور مكسر- مكاناً لتجمع (إخوان الماسونية) بصورة سرية؛ لمناقشة الأدبيات والاطلاع على الأفكار الجديدة القادمة من لندن واسكتلندا والهند وأيرلندا.

إلا أن محفل المعلا كان أهمها، وقد جاء الأمر بتأسيسه من المحفل المركزي العالمي للماسونية في لندن، وسُمي "محفل السعيدة"، وضم شخصيات من عدن والمحميات واليمن الشمالي والجاليات الأخرى، إضافة إلى فئات من الساسة والتجار. كان المحفل مخصصاً لممارسة الطقوس، أما الاجتماعات فقد كانت تُعقد في بيوت الأعضاء، وفي أمانة ميناء عدن، ونادي البحارة وغيرها، وقد ظل ذلك النشاط سارياً حتى رحيل آخر مستعمر بريطاني عام 1967م.

وقد ارتبطت أغلب الأحداث السياسية في اليمن بالجماعات الماسونية في عدن؛ فهناك تم استقطاب الكثير من أبناء الشمال من مثقفين وتجار وسياسيين، وتحولت عدن إلى ساحة لمعارضة دولة الإمام يحيى حميد الدين. ومن عدن ضخ الإنجليز الأموال لشراء المواقف والشخصيات في الشمال، وكان "ريال ماريا تيريزا" (الريال الفرنسي) هو العملة التي من خلالها تم تجنيد الآلاف من الشماليين لإذكاء النعرات والصراعات المناطقية والمذهبية في بلادهم.

تشير القراءات المتفحصة لتلك المرحلة إلى أن محفل "بنغلة الشيطان" والمحافل التابعة له في التواهي وخور مكسر، كانت تعمل بمثابة غرف عمليات استخباراتية غير رسمية. هناك، كانت تُرسم الخطط لزعزعة استقرار "المملكة المتوكلية" عبر استغلال المظالم الاجتماعية وتحويلها إلى حركات تمرد ممولة. ولم يكن دعم الإنجليز لبعض المثقفين نابعاً من إيمانهم بحرية الشعوب، وإنما كان استخداماً وظيفياً لهؤلاء كأدوات "هدم" للداخل اليمني، لضمان بقاء اليمن في حالة من الصراع الداخلي المستمر، مما يمنع نشوء دولة قوية قادرة على تهديد المصالح البريطانية في باب المندب وطرق التجارة الدولية.

ومن هنا يتبين لنا كيف تمكن الإنجليز من الإطاحة بالإمام يحيى واغتياله في صنعاء؛ فقد وصلوا إلى الكثير من المقربين منه، ومنهم علي عبد الله الوزير، وأحمد الشامي، ومحمد محمود الزبيري، وأحمد محمد نعمان، وكل هؤلاء كانت لهم ارتباطات بالماسونية في عدن المحتلة. فقد كان للزبيري تحرك واضح وصحيفة يمولها الإنجليز، وقد أسهم ذلك في التشنيع بآل حميد الدين وشيطنتهم بدعاوى مختلفة مثل التخلف وعدم مواكبة العصر، وكل هذه الدعاية من نتاج الأفكار الماسونية التي تروج لنفسها -في الأغلب- تحت عناوين التقدم والتحضر وغيرها من الرايات البراقة التي لاقت رواجاً واسعاً بين المغفلين وعبدة المال.

وكان للزبيري الدور الأكبر في استقطاب الشخصيات الشمالية وتجنيدهم لصالح الإنجليز، من أمثال آل الأحمر وبعض مشايخ صعدة كآل مجلي وآل مناع، فيما اقتصر دور "نعمان" على المناطق الوسطى وخاصة تعز؛ حيث راهن الإنجليز هناك على خلق فجوة مناطقية ومذهبية مع صنعاء، بينما كان رهانهم في "شمال الشمال" على النعرات الطبقية داخل المجتمع المحافظ.

ولم يتوقف دور هذه المحافل عند الاستقطاب السياسي فقد عملت الماكينة الإعلامية المرتبطة بمحفل "السعيدة" على نشر مفاهيم "العالمية" و"الإنسانية المجردة" كبديل عن الروابط الدينية والقبلية. وكان الهدف من ذلك هو تذويب الفوارق السيادية التي تمنع التغلغل الأجنبي، وتصوير الاحتلال البريطاني لعدن كأنه بوابة لـ "التنوير" والمدنية، بينما كانت الحقيقة هي إفراغ الإنسان اليمني من محتواه القيمي ليكون مفعولاً به في مخططات أكبر تستهدف المنطقة برمتها، وعلى رأسها تثبيت أركان الكيان الصهيوني في فلسطين.

ومع رحيل آخر جندي بريطاني في نوفمبر 1967، لم تنتهِ آثار تلك المحافل برحيل أجساد مؤسسيها، بل تركت خلفها شبكة من العلاقات والأفكار التي استمرت في التأثير على المشهد السياسي اليمني لعقود. فقد ظل بعض الذين "تخرجوا" من تلك الدهاليز يتبوأون مناصب حساسة، ممارسين الأجندات نفسها تحت ستار الحداثة تارة، والبراغماتية السياسية تارة أخرى. ولذلك فإن قصة "بنغلة الشيطان" تظل شاهداً تاريخياً على أن الاستعمار كان منظومة فكرية واستخباراتية معقدة، اتخذت من الرموز الشيطانية والسرية وسيلة لإحكام قبضتها على الشعوب ومقدراتها.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب