صحيفة " SCMP": العالم بدأ يعي التهديد الأميركي
السياسية – متابعات :
صحيفة " South China Morning Post" الصينية تنشر مقالاً يتناول التحوّل في النظام الاقتصادي-السياسي العالمي، حيث تدفع سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب غير المتوقعة والانتقامية دولاً حليفة وشريكة تقليدياً لواشنطن إلى إعادة تقييم اعتمادها على الولايات المتحدة والسعي إلى تنويع شراكاتها الدولية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
في رواية إرنست همنغواي " الشمس تشرق أيضاً"، وصف مايك كامبل كيف أفلس قائلاً: "تدريجياً، ثم فجأة". خلال الأسابيع الماضية، ساد شعور بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته قد وصلوا إلى مرحلة "الفجأة".
أولاً، استحوذ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني على اهتمام جمهور المنتدى الاقتصادي العالمي عندما وصف "الصدع" في النظام القائم على القواعد، و"صفقة" "لم تعد مجدية": ما ترك الدول المتوسطة مثل كندا بلا خيار سوى تخفيف اعتمادها على الولايات المتحدة والتعاون بعضها مع بعض لبناء "مسار ثالث" .
على الرغم من اعتماد كندا الكبير على الولايات المتحدة، التي تمثل نحو ثلاثة أرباع صادراتها، قال كارني: "عندما لا تحميك القواعد، يجب عليك حماية نفسك". إذا كان لدى دولة معرضة بشدة لغضب ترامب الشجاعة للتعبير عن الحاجة إلى ضرورة "تقليل المخاطر"، فتخيلوا ما تفكر به الدول الأقل تعرضاً.
أوضح كارني استراتيجيته "لتقليل المخاطر": فقد وصف "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" لكندا مع الاتحاد الأوروبي، و12 اتفاقية تجارية وأمنية أخرى أُبرِمت خلال الأشهر الستة الماضية، بما في ذلك مع الهند وأستراليا وتايلاند والفيليبين وميركوسور وقطر، ومؤخراً وبشكل مثير للجدل مع الصين .
ثانياً، لنأخذ على سبيل المثال "أمّ الاتفاقيات التجارية" التي أُبرمت هذا الأسبوع: اتفاقية الاتحاد الأوروبي مع الهند. تهدف هذه الاتفاقية إلى مضاعفة صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الهند بحلول عام 2032. وتأتي هذه الاتفاقية في أعقاب اتفاقيات وُقّعت مؤخراً مع ميركوسور وإندونيسيا والمكسيك وسويسرا، وكلها تهدف إلى التحوّط من اعتماد أوروبا على السوق الأميركية. ويُعدّ الإبرام المفاجئ للاتفاقيات مع الهند وميركوسور ذا أهمية بالغة، بعد عقود من المماطلة.
ثم خذ على سبيل المثال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي أمضى معظم الأسبوع الماضي في الصين - وهي أول زيارة يقوم بها زعيم بريطاني منذ عام 2018. في السنوات الأخيرة، أفادت التقارير بأن بريطانيا كانت أقل انخراطاً مع الصين مقارنة بالاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة.
رغم استمرار التوتر في العلاقات البريطانية الصينية ، إلا أن ضرورة إعادة الانخراط باتت ملحة. وقد صرّح الرئيس الصيني شي جين بينغ باستعداده لتطوير "شراكة استراتيجية شاملة طويلة الأمد ومستقرة". بعد عقد من الجمود في العلاقات، بدا موقف ستارمر أكثر حذراً، لكن الدافع الأساسي واضح: "تقليل المخاطر" من الولايات المتحدة التي باتت موضع شك متزايد. في ديسمبر الماضي، أقرّ ستارمر بأن النظرة "الثنائية" للصين قد استمرت لفترة طويلة جداً. وفي بكين، أقرّ بأنه "سيتعين علينا إدارة خلافاتنا. هذا ما يتطلبه النهج الناضج".
على عكس كارني، الذي خلص إلى ضرورة أن تُقلل كندا بشكل حاسم من المخاطر مع الولايات المتحدة وأن تُقيم شراكة استراتيجية جديدة مع الصين، لا يزال ستارمر وجيرانه الأوروبيون يخشون عواقب إغضاب الزعيم الأميركي المتقلب والمتعطش للانتقام، ويفضلون اتباع نهج حذر. ومع ذلك، سافر ستارمر برفقة وفد تجاري وثقافي يضم أكثر من 50 شخصاً، ويأمل إيجاد فرص تجارية جديدة مع الصين.
بينما تناول كارني صراحةً ضرورة تنويع الاستثمارات بعيداً عن الولايات المتحدة، يتسابق آخرون لزيارة بكين بهدف التحوّط بحذر. زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بكين في ديسمبر، ومن المتوقع أن يزورها المستشار الألماني فريدريش ميرز الشهر المقبل. كما زارها رئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن في الأسبوع الأول من يناير، وكان رئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوربو هناك هذا الأسبوع.
لا بد أن يشعر قادة الصين بالحيرة الساخرة من أن الولايات المتحدة أصبحت الآن هي الدولة المارقة التي يجب التحوط منها، في حين يُنظر إلى الصين على أنها شريك اقتصادي مستقر ومتسق وبطل للتعاون متعدد الأطراف.
رغم أن نداء كارني الذي يُعبّر عن قلق دولي يبدو مفاجئاً، إلا أن الواقع يُشير إلى أن الاستياء من سلوك الولايات المتحدة يتزايد منذ سنوات، بالتزامن مع تزايد مطرد في الوجود الصيني. فعلى سبيل المثال، وجد فرانسيسكو أوردينيز، مُبتكر مفهوم "الإزاحة الاقتصادية"، أن الثقل الاقتصادي للصين في أميركا اللاتينية قد ازداد 15 ضعفاً منذ بداية الألفية، بينما خفّضت الولايات المتحدة ثقلها إلى النصف.
إذا كان التنافس الاقتصادي الصيني مع الولايات المتحدة قوياً جداً في محيطها الاقتصادي، فتخيلوا حجم هذا التنافس في مناطق ذات روابط اقتصادية صينية أقوى، مثل جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى وأفريقيا. ويُظهر آخر تحديث للتجارة العالمية الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) أنه بينما تضاعف حجم التجارة بين الشمال والجنوب ست مرات منذ عام 1995، فقد قفز حجم التجارة بين دول الجنوب نحو 14 ضعفاً.
رغم أن هذا الزخم يبدو قوياً ومن المرجح أن يستمر، إلا أنه من السابق لأوانه الاعتقاد بأن العديد من الدول المتوسطة لديها الشجاعة الكافية لتسمية هيمنة ترامب بمسمياتها الحقيقية. فقوة أميركا الهائلة، إلى جانب نزعة ترامب الانتقامية، ستدفع العديد من الشركاء التجاريين إلى توخي الحذر الشديد في هذه الأوقات المضطربة.
إضافةً إلى ذلك، قد تدفع طبيعة ترامب غير المتوقعة العديد من القادة إلى التزام الصمت والعيش على أمل. ويكشف بحث أجرته بلومبرغ أنه في حرب ترامب التجارية، لم يُنفذ سوى ربع تهديداته تقريباً، بينما لا يزال 48% منها قيد التحقيق أو لم تُنفذ بعد.
رسالة كارني هي أن الخطر محدق بالفعل، ولكن كم من الآخرين توصلوا إلى النتيجة نفسها؟ مهما كانت الإجابة، فإن الواقع قائم: الصين تحل محل الولايات المتحدة في أجزاء كبيرة من العالم، وقد تجاوزت هذه الإزاحة ما يدركه معظم الناس.
* نقله إلى العربية: الميادين نت
* المادة الصحفية تم نقلها حرفيا من الميادين نت

