السياسية – متابعات :

صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر مقالاً يتناول دعوة الشعب الأميركي إلى ثورة جديدة تطيح بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويعرض النصّ ترامب بوصفه رئيساً متهوراً، غير عقلاني، وكاسراً للأعراف الدبلوماسية، معتبراً أنّ سلوكه لا يهدّد خصوم الولايات المتحدة فحسب، بل يقوّض أيضاً مصالحها وقيمها الأساسية.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:


دونالد ترامب وحش، بل وأحمق أيضاً، كما يتضح من افتراءاته البذيئة على الجنود البريطانيين الذين خدموا في أفغانستان. محاولته الاستيلاء على أراضي الدنمارك، حليفته المخلصة، وخطابه الذي خرق الأعراف وانطوى على جهلٍ فادح في دافوس الأسبوع الماضي، واستهزاؤه المتعجرف بقادة المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، كلها أمور أثبتت بشكل قاطع مدى خطورة الرئيس الأميركي السابع والأربعين، الذي لا يمكن استرضاؤه ولا وصفه.

يدور الحديث بعد دافوس حول ما يجب على المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي فعله مستقبلاً لمقاومة ترامب وكبح جماحه، وكيفية التصدي لمحاولاته لتقويض النظام العالمي القائم على القواعد. لكن لا بد من مراعاة التوازن. فإذا ما استثنينا سياساته ومواقفه، يتضح أنّ عالم ما بعد الحرب المألوف، وإن كان غير محمود، بتنافس القوى العظمى ومناطق نفوذها الفعلية، لا يزال على حاله إلى حد كبير. فالاستمرارية تفوق الانقطاعات. ومن الواضح أيضاً أنّ هذه الأزمة ليست في نهاية المطاف من اختصاص أوروبا.

ترامب وحده هو المشكلة الرئيسية والملحة. وترامب وحش أميركي الصنع. يقع على عاتق الأميركيين مسؤولية تفكيكه وإصلاح الأمور، وهو ما سيفعلونه حتماً عاجلاً أم آجلاً.

تُعدّ أزمة غرينلاند المستمرة أحدث مثال - بعد فنزويلا وغزة وإيران - على تجاوزات ترامب الإمبريالية الجديدة. لو كان يريد حقاً تعزيز الأمن في القطب الشمالي، لكان عليه فقط أن يطلب ذلك. الدنمارك مُلزمة بموجب معاهدة بقبول المزيد من القواعد الأميركية الأكبر حجماً. حلفاء الناتو والاتحاد الأوروبي حريصون على المساعدة. لكن ما يريده هذا الوحش الأميركي حقاً هو التهام كامل الإقليم وموارده، بغض النظر عن رغبات سكان غرينلاند.

كشف أداء ترامب المُخزي والمُتذمّر في دافوس عن رجل لا يعرف غروره حدوداً، وطموحه الجامح للسيطرة على العالم يخرج عن السيطرة. هذا ليس مبالغة. كيف يُمكن فهم "مجلس السلام" الجديد الذي أنشأه - وهو نادٍ بقيمة مليار دولار للديكتاتوريين، يترأسه هو مدى الحياة، ويهدف بوضوح إلى إزاحة الأمم المتحدة؟

أثارت أساليب ترامب القمعية، بما فيها التهديدات المعتادة بفرض تعريفات جمركية، حالة من الذعر بين القادة الأوروبيين. وكان رد فعل أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، نموذجياً، إذ حذرت قائلة: "إنّ التحوّل في النظام الدولي ليس زلزالياً فحسب، بل هو دائم". ويُجمع الرأي العام، وقد عبّر مارك كارني، رئيس وزراء كندا، عن تشاؤمه بوضوح، على أنّ العالم قد تغيّر، إلى الأبد، نحو الأسوأ، وأنّ القاعدة الوحيدة المتبقّية هي "القوة تنتصر".

هذا التشاؤم المبالغ فيه، والذي يُنذر بنهاية العالم، يفتقر إلى الرؤية الشاملة. تاريخياً، كان النظام القائم على القواعد بقيادة الأمم المتحدة خياراً لا مفر منه بالنسبة للقوى العظمى آنذاك. والغزو غير الشرعي للعراق عام 2003 خير مثال على ذلك. ما جعل النظام ناجحاً، في معظم الأحيان، هو السعي العقلاني وراء المصالح الوطنية. أما اليوم، فالفرق الجوهري يكمن في أنّ ترامب يتصرّف بشكل غير عقلاني، مُعرِّضاً مصالح الولايات المتحدة وقيمها، ومصالح وقيم حلفائها، للخطر.

يبدو أنّ معظم الأميركيين يُشاركون أوروبا الآن نظرتها إلى ترامب باعتباره مصدر إحراج خطير. ففي كل قضية تقريباً، داخلية كانت أم خارجية، بلغت نسبة عدم الرضا عنه مستويات قياسية. في دافوس، كرّر ترامب كذبة فوزه الساحق في انتخابات 2024. في الحقيقة، فاز بفارق ضئيل بلغ 1.5% فقط من الأصوات الشعبية. من بين 174 مليون ناخب مسجّل، صوّت نحو 97 مليوناً لمرشح آخر أو لم يُدلوا بأصواتهم على الإطلاق. اليوم، باتت الأغلبية المعارضة لترامب أكبر بكثير.

ما العمل؟ قد تُحدّ انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر من سلطته، رغم أنها تبدو بعيدة المنال. يُؤجّج سوء إدارة ترامب للاقتصاد، ولا سيما حروبه التجارية، أزمة "القدرة على تحمّل التكاليف" التي ينكر وجودها. تُنتج هجماته العنيفة شبه العسكرية ضد المهاجرين في المدن الأميركية مشاهد تُذكّر بفيلم "الحرب الأهلية" الصادر عام 2024. يدوس ترامب يومياً على الدستور الأميركي، وفصل السلطات، والديمقراطية التمثيلية، والحريات المدنية.

لم يُصوّت الأميركيون لهذا. ولا حلفاء الولايات المتحدة مثل بريطانيا. فرغم دبلوماسيتها المهذبة والصابرة وكرم ضيافتها الشخصي تجاه ترامب، تعرّضت حكومة كير ستارمر للخيانة أو التقويض مراراً وتكراراً بشأن أوكرانيا، وتنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى، والتجارة، وسياسة المناخ، والمساعدات المقدمة لغزة، وإقامة دولة فلسطينية، والآن سجل بريطانيا في أفغانستان.

من السهل فهم سبب قلق السياسيين الغربيين. فوضع غرينلاند لا يزال غير مستقر. وترامب وحلف الناتو على وشك الانهيار. إنّ النضال من أجل سلام عادل في أوكرانيا مُعرّض لخطر الضياع. فخطة ترامب "التاريخية" للسلام في الشرق الأوسط تتجاهل بشكل فادح القضية المحورية: استقلال فلسطين. وازدراؤه الشخصي للحدود السيادية، وميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي، يُشجّع الحكّام المستبدين في كل مكان.

ربما كانت صدمات الأسبوع الماضي بمثابة نقطة تحوّل. بات من المتفق عليه على نطاق واسع أنّ على أوروبا بذل المزيد من الجهود للدفاع عن أمنها وقيمها وتعزيزها، بوصفها لاعباً جيوسياسياً مؤثراً. وقد اشتدت حدة الخطاب المناهض لترامب علناً بشكل ملحوظ. وتراجعت سياسات الاسترضاء، إذ تحوّل الغضب والصدمة إلى تحدٍّ. وقاومت أوروبا بشدة ما وصفته بـ"الإكراه". ووصفها أحد الدبلوماسيين بأنها "لحظة فاصلة". لكنّ هناك حدوداً لما يمكنها فعله.

يكمن الأمل في حقيقة أنّ معظم الأميركيين يتفقون على أنّ ترامب خطأ، إن لم يكن انحرافاً بغيضاً. وتشير استطلاعات الرأي إلى أنّ معظمهم ما زالوا مؤيدين بشدة لأوروبا وحلف الناتو. ويدرك معظمهم بلا شك أنّ هذه المهزلة المدمّرة في البيت الأبيض لا يمكن أن تستمر من دون رادع.

من أجل أصدقائهم، ومن أجل النظام العالمي، ومن أجل سلامتهم العقلية، يجب على الأغلبية الأميركية الصامتة أن تتحرّك الآن بسرعة وعزيمة ووحدة - وإذا لزم الأمر، بمرونة دستورية غير مسبوقة - لكبح جماح حكمه الاستبدادي قبل أن تتفاقم الأمور أكثر.

يا مواطني الجمهورية! اعزلوا ترامب. أعلنوا عدم أهليّته. انتفضوا، تمرّدوا، وأطيحوا به كما أُطيح بجورج الثالث قبل 250 عاماً. افعلوا كلّ ما يلزم لتخليص العالم سلمياً من هذا المغتصب المتغطرس الأحمق، وعزل هذا الملك الطموح.. ولكن افعلوا ذلك بسرعة. أوقفوا أسلحته. أسكتوه. اسجنوه. اطردوا هذا الوحش.

منذ عام 1945، اضطلع الأميركيون بدور حامل لواء الحرية العالمية. والآن يجب عليهم تحرير أنفسهم. الولايات المتحدة في عام 2026 بحاجة إلى ثورة ثانية. للهروب من الكابوس، ولإنقاذ الديمقراطية، ولإعادة بناء المدينة على التل، يجب أن يسقط الطاغية.

* نقلته إلى العربية: بتول دياب
* المادة الصحفية تم نقلها حرفيا من الميادين نت