الصرخة.. من جبل مران إلى مجلس الأمن
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تمثل الصرخة سلاحاً مرعباً للخصوم، إلى جانب أنها تميز الناس بين الخبيث والطيب، والواقع أثبت ذلك على مدى عقدين نيف، ويكفي أن العدو نفسه يقر بذلك حتى من داخل أهم قاعة للسياسة الدولية ليؤكد أن كل من هلكوا في معارضة الشعار إنما قضوا وهم على دين أعداء الإسلام مهما تعددت عناوينهم وذرائعهم في مواجهتهم للمشروع القرآني.
وكما أوضح السيد حسين، رضوان الله عليه، في ملزمة "دروس من سورة الكهف" فإن التحرك في سبيل الله لا يصطدم بأي عوج على الأرض، وبالفعل، فكل يوم تتأكد فيه عظمة ما دعا إليه الشهيد القائد، وكذلك زيف وبطلان كل أعدائه وعناوينهم الدينية والوطنية، ويكفي أن معاندتهم للصرخة جعلت منهم يهوداً بالولاء، وهذه سنة الله في الأرض، وهي أن يبتلى الناس في صدق إيمانهم، وكم تهاوت أمام الصرخة من أسماء وجماعات وأحزاب كانت تقدم نفسها أنها الحق المطلق وما دونها كفر، كحزب الإصلاح والسلفيين في اليمن، وسائر التنظيمات الضالة التي على شاكلتهم.
والشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه، عندما أطلق الصرخة من جبل مران، كان يعلم مدى تأثيرها على الواقع وفي نفوس الأعداء، ولذلك حركوا كل أدواتهم المبطنة والمعلنة للحد من تأثيره، فهو عنوان الحرية في زمنٍ يُقدس اليهود وكل مشاريعهم السياسية، ولو لم يكن للسيد حسين إلا الصرخة لكفت فهو بذلك كسر الصنم الصهيوني في نفوس الأحرار وقدم لهم مشروعاً عملياً لإبطال المواقف الصهاينة وكشف أدواتها في الداخل والخارج.
ولا غرابة في ذلك، فالشهيد القائد كان نموذجاً للقيادة التي تؤمن بأن الرسالة الإلهية جاءت من أجل إنقاذ البشرية، وأن القيادة المؤمنة هي التي تهتم بأمر الأمة وتدافع عنها ولذلك قدم نفسه شهيداً في سبيل الله ونصرة المستضعفين، لأنه كان قائداً بحجم الأمة الإسلامية قاطبة، فحمل همومها كلها واتجه لمعاداة أعدائها الفعليين، حسب التوجيهات الإلهية والمنهج القويم.
ولأنه كذلك، فقد تحول السيد حسين نفسه إلى رمزٍ من رموز الحق، حتى بعد شهادته، وأصبح في حد ذاته علماً يفرز الناس إلى فريقين: حق صريح وباطل صريح. وهكذا كان كل الأنبياء والآمرين بالقسط من قبله، ولم يكن بدعاً من الهداة المهتدين، بل متمماً لمسيرتهم العظيمة، وناصراً لأهل الحق والمظلومين أينما كانوا.
أضف إلى ذلك، أن الشهيد القائد، رضوان الله عليه، كسر كل الأصنام التي جمدت الأمة، سواءً ما كان منها على شكل كتب أو أسماء أو كيانات، وكانت سبباً في جمود المسلمين وتخاذلهم عن نصرة دينهم. ويكفي أن صرخته اليوم قتلت هيبة الطغاة بكل أشكالهم، وتجلت في الميدان كعصا موسى أو معول إبراهيم الذي حطم أصنام عصره. فكل ما يتعارض مع الصرخة ومشروعها هو من صنع اليهود، ولو كان على شكل عقائد باطلة.
ومن مقولاته الخالدة "إن وراء القرآن من أنزل القرآن" هي عبارة فلسفية عميقة جداً، فالكتب التي بين أيدينا هي من مؤلفات بشر قضوا قبل سنوات وانتهى بذلك تأثيرهم في الحياة، أما القرآن فهو باقٍ لأن من أتى به يتولى رعاية من يعمل به. فهو كتاب حي يخاطب البشر في كل مواقفهم وتحركاتهم، ويظهر الواقع للمتبصرين فلا يضلون، سواءً في هذا العصر أو سائر العصور السالفة والمقبلة، وأنَّى لكتابٍ آخر أن يعطينا كل هذه البصائر، ومن هنا برزت حكمة السيد التي هي امتداد لنور الله عز وجل.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

