السياسية || صلاح المقداد*

حرصت الإمبراطورية الإستعمارية البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها بالتعاون والتنسيق مع شركائها الغربيين الآخرين على صناعة وتأسيس دويلات وممالك وظيفية عميلة تخدم مصالح الغرب والصهيونية العالمية مُستقبلاً، ومن بين هذه الدويلات والكانتونات السياسية، المملكة العربية السعودية، ومملكة الأشراف الهاشميين في الأردن والعراق ودويلة الأمارات العربية المتحدة التي تم إقتطاعها من سلطنة عُمان، بالإضافة إلى إمارات ومشيخات قطر والكويت والبحرين النفطية.

وقد شكلت تلك الدويلات والكيانات السياسية الهجينة، أدوات هدم للأمة العربية، ووسيلة فاعلة للتآمر على قضاياها الرئيسية وفي مقدمتها قضية فلسطين ومقدساتها الإسلامية والمسيحية التي يدنسها الإحتلال الصهيوني الغاشم بدعم وإسناد ومباركة ورعاية أمريكية وغربية شاملة ومُستمرة.

ومنذ قيام تلك الدول والكيانات السياسية العربية العميلة وحتى اليوم وهي تقوم بمهامها المُناطة ووظيفتها المحددة لها في خدمة مصالح الغرب والدول الإستعمارية، وتدور في فلك أسيادها الذين اوجدوها من العدم وفرضوها كسلطات أمر واقع في المنطقة، وتُنفذ ما أمرت به على أكمل وجه ودون نقاش .

واللافت أن دويلة الأمارات برزت وبرعت أكثر من غيرها في خدمة الغرب و"إسرائيل" ومصالحهما في المنطقة، وهي تتصدر اليوم بما تؤديه من مهام قائمة الدول الوظيفية العربية التي تخدم الغرب، وتجتهد أكثر في إرضائه وتحقيق أهدافه، وقد حققت نجاحًا ملحوظًا على أكثر من صعيد وفي أكثر من بلد في المنطقة صارت الأمارات حاضرة فيه بقوة وتتدخل في شؤونه بفجاجة، كاليمن والسودان، وليبيا وسوريا والصومال، وتشاد وأثيوبيا وأريتيريا، وغيرها من البلدان العربية والإسلامية والإفريقية، وصار لها فيها نفوذ قوي وفي بعض البلدان صار لها قواعد ومطارات عسكرية يتواجد فيها خبراء وضباط وجنود اماراتيون وصهاينة وأمريكان، وبينهم تعاون وتنسيق مشترك وخطة واضحة مُشتركة لزعزعة أمن وإستقرار عدد من دول المنطقة المُستهدفة والتدخل في شؤونها الداخلية بما ينسجم ويخدم مصالح الغرب و"إسرائيل" المشتركة على المدى الطويل والقصير .

وبالرجوع إلى تاريخ تلك الدويلة الوظيفية المُسماة "الأمارات العربية المتحدة" التي تضم ست إمارات تجمعت في كيان واحد مطلع سبعينيات القرن الماضي برعاية ودعم بريطاني، فسنقرأ ما يُفيد أنهُ: "في أول أغسطس سنة 1966م كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في زيارة لبريطانيا، قابل وقتها مجموعة من رجال الأعمال ورؤساء كبريات الشركات البريطانية، والتقى بعض رجال المخابرات والجيش الإنجليزي، وكان يحكم أبو ظبي وقتها رجل اسمه "الشيخ شخبوط" وهو أخ شقيق للشيخ زايد، وكان الرجل مشهور ببغضه للإنجليز، وكان يرفض إعطاء أي حقوق استثمار للشركات الإنجليزية".

وبحسب إيهاب عمر في مؤلفه كيف صنعت بريطانيا دول الخليج، فبعد زيارة الشيخ زايد للندن آنذاك بأقل من أسبوع حضر رجل انجليزي إلى أبو ظبي، وكان اسمه "هيو بلفور بول" وكان ممثل للسياسة البريطانية في امارة أبو ظبي ويقيم في القنصلية البريطانية بجوار قصر الحصن الذي يجلس فيه الشيخ شخبوط حاكم الأمارة، ووصل "بلفور" إلى أبو ظبي على متن إحدى طائرات سلاح الجو الإنجليزي، وأعلن حالة الطوارئ بين جنود القوات البريطانية الموجودة في أبو ظبي، وكان بصحبة "بلفور" هذا عقيد بريطاني اسمه "فريدي دي بطس" وكان قائد القوات الإنجليزية المحتلة في أبو ظبي".

ووفقًا لنفس المصدر فقد قام "بلفور وبطس" ومعهم جنود بريطانيون بإقتحام قصر الحصن والقبض على الشيخ شخبوط وعزله من الحكم وتعيين من وصفوه بـ "زايد الخير" مكانه، وتم ترحيل شخبوط بسرعة للبحرين ومنها إلى لبنان، ثم إلى لندن وهناك ظل تحت الإقامة الجبرية".

وبعد تسليم زايد شقيقه للبريطانيين وسجنه في بلادهم جلس زايد على كرسي حكم أبو ظبي وسارعت بريطانيا في الإعتراف بزايد كحاكم للأمارة مُعلنة أنها لا تتدخل في الأمور الداخلية لأبو ظبي بحسب زعمها هذا.

وكان أول قرار اتخذه الشيخ زايد هو تعيين "بلفور" و"بطس" مستشارين عسكريين له براتب خرافي أضطر كلاهما للإستقالة من الجيش البريطاني والبقاء في منجم الذهب العربي هذا، وكان القرار الثاني للشيخ زايد هو إعادة كل الشركات البريطانية التي طردها شقيقه شخبوط من أبو ظبي، ولاحقًا أعاد زايد أخوه شخبوط إلى بلاده وسجنه في أمارة العين تحت حتى مات الرجل قهرا.

وخوفاً من أي تهديد على حكمه مستقبلاً، قام الشيخ زايد بالتخلص من نجلي أخوه الشيخ شخبوط سلطان وسعيد في يوم واحد وفي ساعة واحدة وارجع سبب موتهما إلى سكتة قلبية.
ومن العجب أن تُودي سكتة قلبية بحياة إثنين أشخاص في ريعان الشباب وفي نفس التوقيت، وقيل بعدها أنهما قُتلا بنوع سم لا يترك أثر في الجسد بعد ساعة من القتل .

ولإعطاء زايد صورة أجمل في نظر أبناء شعبه وغيرهم من أبناء شعوب المنطقة والعالم، نجد كل الكتب والإعلام في الإمارات تحدثت بإسهاب مُمل أن الشيخ زايد آل نهيان من الأشراف الهاشميين وزعمت أنه من نسل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وفي أعقاب تلك التطورات التي شهدتها أمارة مشيخة آل نهيان في أبو ظبي في مرحلة النشأة، قام آنذاك عدد من الضباط والمسؤولين الإنجليز ورجال المال بزيارة أبو ظبي حتى أصبح كل شبر من أرضها به موظف إنجليزي وبهذه الزيادة في أعداد البريطانيين هناك طلب الإنجليز انشاء كافيه أو مقهى (خمارة) بــ لغة الإنجليز)، وطبعا لزوم الخمارة كما هو معلوم هو الفواحش بأنواعها.

ونسب للشيخ "زايد الخير" أول ماخور عربي في أبو ظبي وإسمه ماخور"سكة الخيل"، وإكمالاً للخطة أتت بريطانيا بشخص اسمه "كوليد موريس" وقالت عنه انه مؤرخ وقام موريس هذا بتأليف كتب عن الشيخ زايد ونضاله وشَرفه ونزاهته، وأي كتاب خرج بعد ذلك كان يأخذ معلوماته من هذا المرجع الانجليزي.

وقال زايد لموريس سنة 1974م بحسب ما نُقل عنه "أنه حزين على خروج بريطانيا من أبو ظبي"، ومن العجب أن يحزن حاكم عربي لخروج المحتل من بلاده! .

وقال زايد لموري: " لقد كانت بريطانيا صديقتنا الأولى في هذا الجزء من العالم من خلال نظام المحميات، وقد تركتنا نحن في الإمارات فجأة لوحدنا.. لقد كان قرار بريطانيا بالإِنسحاب قرارا مُتسرعًا".

وهكذا هي الأمارات وتلك حقيقتها، لا تعدو عن كونها مجرد كيان سياسي وظيفي يتبع الغرب والصهيونية العالمية ويخدم مصالحهما بإخلاص وتفان مُنقطع النظير.

وبرغم تلك الحقيقة المرة إلا أن ما يُعزينا هنا كأمة مجيدة عظيمة، إن الدول الطارئة والعابرة التي تبرز على سطح الأحداث فجأة وعلى حين غفلة من التاريخ، إلى زوال حتمي.

وأرى إن دويلة الأمارات المُصطنعة كأداة وكيان سياسي وإقتصادي وظيفي يتبع الغرب، على موعد قريب ووشيك مع الإضمحلال والإنحلال، وسيطويها النسيان وينتهي دورها والغرض منها طال الزمن أم قصر.

وبحسب مُقتضيات سنن الحياة والكون والتاريخ، فإن قادة الصُدف ومن على شاكلتهم من إنتهازيي المراحل لا يدومون ولا يبنون دولاً وأوطان وحضارات تُخلدهم، ولا يتركون خلفهم أي أثر طيب يجعل لهم قسط من الخلود والديمومة في ذاكرة التاريخ والناس والأجيال.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب