الحرب والوباء.. بلد مهدد بمزيد من التشرذم
هناك آمال بأن يعمل وقف إطلاق النار على إنهاء القتال المُحتدم جراء الحرب الأهلية في اليمن. ولكن زيارة للجبهة الواقعة بالقرب من الحديدة كانت كفيلة بأن وضحت أنه حتى وإن توقفت أعمال العنف سيبقى من الصعب الحفاظ على وحدة البلاد.
بقلم: كريستوف رويتر ودانيل إتر —————–
(مجلة “در شبيغل” الألمانية، ترجمة: نشوى الرازحي-سبأ)-
حتى عند تصويب النظر من مسافة بعيدة ، يمكنك رؤية النتؤات خارجة من الصحراء الصفراء – الرمادية : جدران قد تعرضت لقصف مدافع الهاون وأكياس من الرمال على أسطح سيارات نصف مُدمرة. ومنزل مُهدم ترى داخله وقد خرج البلاط الأزرق من مكانه. وجدرانه الداخلية مُدمرة إلى حد كبير ولم يتبق سوى الأعمدة الخرسانية. هناك محطة وقود ما تزال سليمة في وسط ذلك الخراب. كانت خالية من الغاز ومازالت.
ذلك المكان هو التقاطع الأخير قبل ساحة المعركة واسمها مظللاً جدا. إنها منطقة “الجبلية”، من الجبال. في حين أنها واقعة على سهل تهامة الذي يمتد لمسافة مئات الكيلومترات من الشمال إلى الشرق ، بين البحر الأحمر والجبال المتلألئة في جنوب غرب اليمن – تلك الأرض المحروقة والمنسية.
وهذا هو المكان الذي يمكن العثور فيه على خط الجبهة الأهم في الحرب. تقع مدينة الحديدة على بعد 30 كيلومتراً (18 ميلاً) إلى الشمال وهي المدينة الوحيدة التي تقع في أيدي الحوثيين والتي تستقبل 80 بالمائة من جميع شحنات المساعدات الدولية وثلثي الواردات الغذائية التي يتم إيصالها إلى جميع أجزاء اليمن. هذه السلع ضرورية للبقاء في بلد يتعين عليه استيراد 90 بالمائة من طعامه. والحوثيون مستفيدون منه على أفضل وجه من خلال كسب عشرات الملايين من الدولارات من رسوم الاستيراد كل شهر.
لعدة أشهر قام جيش المرتزقة المنتمين إلى التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بمحاصرة المدينة التي لا تزال موطناً لحوالي نصف مليون نسمة. وخلال الهجوم الأخير في نوفمبر تقدم ذلك الجيش إلى المدينة وقام بشن ضربات جوية ضد الحوثيين بطائرات الهليكوبتر والطائرات مقاتلة. وفي غضون 24 ساعة قُتل 150 شخصا. وفقا لتصريحات التحالف. والهدف من معركة الحديدة هو إعادة السلطة لحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف به دوليا.
لكن خلال زيارتنا القريبة من الجبهة في أوائل ديسمبر ، أصبحت تلك الرغبة غير واضحة مثل سراب الصحراء. لا أحد يتحدث عن الحكومة هنا والحكومة ليس لديها قوات. ولا ترى أي جندي من دولة الإمارات العربية المتحدة.
خليط ملون:
هناك العشرات من الرجال يخيمون في ظلال المباني. إنهم مقاتلي الميليشيات الذين يتلقون التوجيهات ويتقاضون أجورهم من الإمارت العربية المتحدة. وهم من المرتزقة الجُدد الذين يرتدون التنانير الملفوفة المعروفة باسم “الفوط”. في حين تجد هناك البعض الآخر من المقاتلين يرتدون ملابس ملونة وآخرون يرتدون معاطف طويلة تصل إلى الركبة. محطة الغاز تابعة لرجال من لواء العمالقة، الذين يناسبهم أكثر اسم “الملتحون”. فهم جماعة سلفية تضم كل المتعصبين الذين يقاتلون بحماس ديني ضد الحوثيين الشيعة، الذين يعتبرونهم مرتدين.
المقاومة التهامية ، وهي ميليشيا محلية ، تقاتل هي أيضا في طريقها نحو الحديدة. هؤلاء الرجال يقاتلون مع جماعة طارق ، أتباع ابن أخ الرئيس السابق علي عبد الله صالح ، الذين بات عددهم يقرب لما يمكن أن نسميه جيشاَ. ومع ذلك فهم ليسوا موضع ترحيب على نحو خاص في الجبهة لأنهم قد غيروا تحالفاتهم بصورة فعلية مرتين. وأخيراً ، هناك جنود سودانيون ينامون في مبنى غير مكتمل البناء مغطى بالقرميد الأزرق. وقد استأجرهم التحالف للإشراف على الميليشيات.
ما يحدث حالياً في اليمن لا يمكن وصفه بأنه صراع بين الحكومة ومتمردين عليها. وهذا يتطلب دولة فاعلة مع جيش وحكومة معترف بها دوليا. لكن لم يعد أي من ذلك موجوداً. لا يستطيع رئيس المنفى هادي حتى السفر إلى عدن دون الحصول على إذن من المملكة العربية السعودية. إنه لا يعُتبر شيئاً أكثر من كونه ورقة التين لحرب بالوكالة. تشن فيها كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حرباً على الأراضي اليمنية ضد عداوتهم إيران التي تدعم الحوثيين.
إن النظامين الخليجيين في الخليج يعملان كثيراً على استخدام اليمن لأغراضهما الخاصة أكثر من حماية الاستقرار السيادي في البلاد. وترى ذلك الأمر جلياً في الخطوط الأمامية. لا أحد من مقاتلي الميليشيا هنا لديه مصلحة في إنهاء هذه الحرب: فهذه الحرب هي ما توفر الطعام على موائدهم وتضمن لهم استلام الراتب. لو كانت قوات التحالف مهتمة بتعزيز شرعية الدولة، لكانت قد أعادت بناء الجيش اليمني. بدلاً من أن تقوم بنشر المرتزقة المستقلين عن السيطرة اليمنية. الفوضى على الأرض هي بالضبط ما كان هذان النظامان الخليجيان يبحثان عنه.
وصل المفاوضون في ريمبو بالسويد إلى انفراجة في محادثات اليمن يوم الخميس الماضي ، حيث اتفق الطرفان على وقف إطلاق النار في الحديدة. كان هذا هو أول نجاح بعد سنوات من المفاوضات والتي انتهت حتى مع ظهور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس. ومن المتوقع استئناف المحادثات في نهاية يناير.
“كثير من الغموض”:
وقد تفادى الاتفاق غزو المدينة في الوقت الحالي، ويمكن وضع الميناء تحت سيطرة الأمم المتحدة. لكن ليس الرئيس هادي، الذي تفاوض مبعوثوه على هذه الصفقة في السويد، من سيحدد ما إذا كان وقف إطلاق النار في الحديدة سيستمر. ففي نهاية المطاف، كل قرار يتم اتخاذه حول جنوب اليمن يكون في دولة الإمارات العربية المتحدة. ويبقى أن نرى ما إذا كانت الإمارات ترى أن هناك ضرورة كبيرة لإبقاء ميليشياتها اليمنية تحت السيطرة.
يقول فارع المسلمي، وهو خبير يمني في مؤسسة تشاتام هاوس للأبحاث في لندن، إنه يود أن يكون متفائلاً، لكن “هناك الكثير من الأمور الغامضة ماتزال في المعادلة”.
الجبهة في اليمن:
ماجد المدحجي ، مدير مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، كان حاضرا في السويد ، لكنه لا يعتقد أن وفد الحوثي الذين كانوا حاضرين لديهم القدرة على فرض الاتفاق على المتشددين في صفوفهم. حيث قالوا أنهم “ربما سينسحبون من الميناء ولكن انسحابهم من المدينة لا يمكن تصوره؟.
يقول زعيم ميليشيا المقاومة التهامية، الشيخ عبد الرحمن شوعي أحمد، ببساطة: “وقف إطلاق النار خطأ! نحن بحاجة إلى تحرير مدينتنا من الحوثيين!”
لم يكن سعي الإمارات العربية المتحدة للسيطرة على مدينة الحديدة له علاقة بتأمين وصول الإمدادات للسكان. فكل من ميناء عدن والمكلا واقعان تحت سيطرتها، لكنها عملت على شل الحركة فيهما إلى حد كبير من خلال حظر الاستيراد ورفع مستويات البيروقراطية.
ويزعم المقاتلون الذين نشرتهم هناك أن طرق الوصول إلى الحديدة تحت سيطرتهم ، لكن صاحب مطعم يقع في نهاية قرية جنوب مفترق الطرق الذي يطبخ للمقاتلين يقول بحذر أن ذلك ليس صحيحا تماما. قدم الطاهي على الفور لمساعدتنا في العثور على القائد في منطقة الجبلية. وقال: “قبل أربعة أيام، استولى الحوثيون على تقاطع الطريق واستمر سدهم للطريق الساحلي لساعات.”
وقال لكن مواقع الخط الأمامي كانت شاغرة ذلك الصباح، دون أن يكون هناك سبباً واضحاً. قال لنا الطباخ: “ربما ذهبوا لشراء القات”. ولكن كان ذلك في الصباح ومن المعتاد أن يذهب الجميع للتسوق بعد الظهر.
حملة شبيهة بالحملة الصليبية:
ما حدث في ذلك اليوم أمكن معرفته من خلال فيديو نشره الحوثيون على شبكة الإنترنت. إنه يظهر الحوثيون ولم يكونوا يواجهوا أية مقاومة لأنهم أضرموا النار في خيام خصومهم وأطلقوا النار على شاحنات الميليشيات المارة قبل أن يصطدموا في النهاية بسيارتي إسعاف. وأمكن رؤية سائق السيارة المضرج بالدماء والمصاب بجروح قاتلة بجوار السيارة.
ورفع الحوثيون في الفيديو بنادقهم الكلاشنيكوف أمام خيمة محترقة وهم يرددون: “الموت لأميركا! الموت لإسرائيل! اللعنة على اليهود!
هذه هي صرخة الحوثيين التي يؤدونها منذ سنوات وحتى الآن. لكن إسرائيل لم تشارك أبدا في هذه الحرب. فسائق سيارة الإسعاف ومقاتلي الميليشيات يمنيون وقتلهم الحوثيون وهم يمنيون أيضا. لكن الحوثيون يقولون بأنهم مستمرون في القتال إلى أن يحرروا القدس. وحملتهم شبيهة بحملة صليبية.
لكن إلى أين يُفضي الحال في الجبهة الأمامية؟
اقترح الطاهي علينا أن نبحث عن الكلدي، وهو قائد من لواء العمالقة الذي من المحتمل أن يكون أكثر إلماماً بطبيعة الأحداث. لكن قبل أن نتمكن من إيجاد الجبهة، وجدتنا الجبهة. حيث حدث انفجار ضخم على بُعد 200 متر أمامنا و اندفعت سحابة رمادية من الدخان نحو السماء.
وقال الطباخ علينا أن نلتفت. والتفتنا لنكتشف أبو يونس الكلدي في ملحق خلف محطة الوقود، الذي يُعتبر مركز قيادته.
إنه يعرف أين تقع المواقع الرئيسية التي يسيطر عليها الحوثيون – أو على الأقل حيث كانوا حتى قبل نحو نصف ساعة. ويقول إن الانفجار ينذر بالخطر وربما حان الوقت لإلقاء نظرة حول المكان. وتوجهنا على شاحنتين صغيرتين، للتحقق من الجبهة.
في الموقع الأول، هناك 10 رجال يقفون إلى جانب شاحنة صغيرة مسلحة ببندقية رشاشة مثبتة تحت أشجار النخيل وبجوار اثنين من المتارس المصنوعة من أكياس الرمل. الوضع هادئ، على الأقل في الوقت الذي مرينا فيه. ولكن قبل ذلك بيوم واحد، قُتل أحد الرجال برصاصة، وهو صبي يبلغ من العمر 19 عاماً من قرية قاسم التي ينتمي الكلدي إليها. ما زال الدم الجاف ظاهرا على أكياس الرمل.
جنون:
في المكان الذي حدث فيه الانفجار ، هناك بعض الرجال يقومون بسحب سيارة مدمرة من منطقة الخطر. وقفت إلى جانبها مركبة مقاتلة مدرعة شقت طريقها من الولايات المتحدة إلى الإمارات ثم إلى اليمن. لقد استهدفت بصاروخ مضاد للدبابات، تاركا أجزاء من المعدن تخرج منها. ويجب أن يزحف من أطلق النار إلى مسافة 100 أو 200 متر. أطلق الكلدي تنهيدة وقال: “إن الحوثيين مجانين، لكن من الناحية العسكرية، هم محترفون جدا”.
كان الكلدي ضابطا في الجيش اليمني، عندما كان لا يزال قائما، وكان لا يزال الجنود يحصلون على رواتبهم. وهو الآن قائد مفترق طرق ويتلقى راتبه من لواء العمالقة الذي استأجر جميع العُمال اليوميين من مقاتلي القاعدة السابقين. وأضاف: “ولكن الإمارات تدفع الراتب على الأقل في الوقت المحدد”.
اشترت دولة الإمارات العربية المتحدة بنفسها هذه الحرب – فهي تدفع ثمن الرجال والأسلحة والذخيرة والأغذية والرعاية الطبية. لكن الإماراتيون لا يشنون الحرب بأنفسهم، وبدلاً من ذلك قاموا بتشكيل نظام متناغم من المتعاقدين العسكريين. وكانت عبارة عن ميليشيات يمنية دربتها وحدات النخبة الإماراتية ولكن تحت قيادة جنرال أسترالي سابق. بالإضافة إلى ذلك، هناك أيضاً 3000 جندي سوداني تم استئجارهم مباشرة من حكومة الخرطوم.
لكن الميليشيات لا تزال مجرد نتاج للمال. وما ينقصهم، موجود لدى الحوثيين بوفرة: الولاء والانضباط والإيمان بقضيتهم والسعي من أجلها مهما كان الثمن. فالوهم أيضا يُمكن أن يدعو للتماسك والثبات.
والنتيجة هي حالة من الجمود لا يفوز فيها أحد ولا يمكن لأحد تخيل مقدار الخسارة. وفيها واحدة من الطرق المؤدية إلى النصر من الممكن أن تتحول سريعا إلى فخ. فهناك طريق سريعة واحدة مفتوحة فقط عبر تهامة. وسيارتا الشاص وأي شيء يتوجه إلى أو يغادر الحديدة يجب أن يمر عبر تهامة، بما في ذلك قوافل الميليشيات وسيارات الإسعاف التي تتسارع مع الشاحنات المليئة بالجرحى و باللاجئين والصيادين الذين يحاولون نقل صيدهم من منطقة الخطر والمقاتلين الذين هم في طريقهم إلى أسواق القات والأسواق المزدهرة ، والمجانين الذين يظهرون من حين لآخر، مثل سائق الدراجة النارية ذو النظارات الشمسية الضخمة الذي زين سيارته بكل محبة بالذخيرة ذات العيار الثقيل كما لو كان هو نفسه نوع من المدافع.
تحويل الكثبان:
أشجار السنط ، الجاثمة والملتوية كما لو كانت تريد الاستسلام للشمس التي لا هوادة فيها، تقف بين الكثبان الرملية التي تدفعها الرياح عبر الأرض. ومن مسافة، يمكنك أن ترى النقاط الحمراء والخضراء والبيضاء على الأشجار الخضراء الباهتة. ما يبدو في البداية أنه مجموعة من أشجار عيد الميلاد السريالية في الصحراء تتحول عندما تقترب منها إلى أكياس بلاستيكية لا تعد ولا تحصى حملتها الرياح بعيدا هي وبقية محتويات القمامة التي علقت في نهاية المطاف أشواك شجر الأكاسيا.
عبرت سياراتا الشاص حوالي مسافة 200 كيلومتراً عبر الشريط الصحراوي الضيق، وهي في مرمى المدفعية التي نصبها الحوثيون على منحدرات الجبل. توجد في كل كيلو متر واحد نقطة تفتيش. وأكبر واحدة من تلك النقاط يعلوها لوحة إعلانية كبيرة لعطر “غولدي”. وعادة ما يُدير النقاط الصغيرة حارساً واحداً يجري حواراً قصيرا وأحيانا لا يصدر منه سوى مجرد إيماءه، وبعضهم يكتفي بالتلويح، فقط طالما لا يوجد حوثيون في السيارة.
بعد حلول الظلام، ليس إطلاق النار هو فقط ما يهدد حياتك بالخطر. فالجميع يقود السيارات بسرعة بسبب الخوف. وهم يفعلون ذلك على نحو جيد بعد تزودهم بالطاقة بعد مضغ القات. وغالباً ما تظهر فوهات المدفعية في اللحظة الأخيرة فقط، تمام مثل الكثبان الرملية المتحركة في تغيرها وتقوم في الغالب بالاستيلاء على جميع الممرات.
قال مدير العيادة الفرنسي التي تديرها منظمة “أطباء بلا حدود” تقع على الطرف الجنوبي من الطريق: “عندما تكون هناك مجموعة من الإصابات الخطيرة في نفس الوقت، فمن المرجح أن تكون نتيجة لحادث مروري أكثر من القتال”.
هناك، حيث يتراجع الخطر ببطء ويتحسن المشهد، أصبح بالإمكان العثور على مدينة صغيرة قاتمة على الساحل، والتي كانت الحرب سبباً في ازدهارها بعد قرون من البؤس، إنها مدينة المخاء.
الجميع يحطون رحالهم هنا: المقاتلون في فترة الإجازات، واللاجئون من الحديدة والمرضى يأملون في الحصول على أحد الأسرّة النادرة في المستشفى الذي فيها.
وقد تم افتتاح اثنين من صالونات الحلاقة الجديدة، وحمامات للاغتسال. حتى أن قربها من مناطق العنف ساعد حتى أفقر الفقراء فيها، وذلك بسبب وجود مركز صحي صغيرة شمال المدينة مدعوم الآن من قبل الهلال الأحمر الإماراتي. تأتي الأمهات اللواتي يعانين من سوء التغذية من بعيد لأن المركز يقدم الرعاية ويقدم الحليب المدعم والأدوية، أفضل من المناطق التي لا يوجد فيها قتال.
إن هذه الحرب لعبة غريبة، يقول الطبيب الوحيد هناك. “أنا لا أفهم ما يجري. أولاً، قصف طيران الإمارات مركزنا، ثم أعاد بناءه ليصبح أكبر وأفضل مما كان عليه من قبل. لكن أيا كان. لقد اعتدنا أن نكون أفقر منطقة على نطاق واسع، والطريقة الوحيدة للخروج من ذلك هي زيادة الأجور.”
ازدهار مؤقت:
لقد تم إنشاء أكواخ خشبية ليصبح بالإمكان أن يُعرض في السوق كل ما هو مطلوب حاليا ، بما في ذلك حزم أوراق القات المُخدرة والأسلحة والزي العسكري وعصير الفواكه. وهي أيضا أماكن أصبح فيها الإزعاج أمرا طبيعيا تماما: هناك رجل له صوت فتاة وجسم مُصارع وثلاثة بنادق كلاشينكوف تتدلى على كتفه. الجميع هناك ينادونه باسم شاهر، وهو ليس أكثر الأشخاص متاجرة بالسلاح فحسب وإنما الشخص الأعلى صوتا أيضا. إنه يصرخ بصخب شديد وهو يجول في ممر السوق ذهاباً وإياباً.
ولا أحد يبدو مندهشا من هذا الرجل ولا من الصبي البالغ من العمر سبعة أعوام يمشي برفقة أمه المحجبة وعلى كتفه يتدلى كلاشنيكوف ويصل إلى الأرض. ومن المؤكد أنه لو قام بإطلاق النار منه سينطرح أرضا.
وهناك رجل مسلح يتسول في أحد المطاعم التي على قارعة الطريق. فهو يتجول بين صفوف الطاولات حيث يطلب اليمنيون السمك والخبز والطبيخ المصنوع بالصلصة على عجالة، كما ترى النساء الصوماليات اللواتي يرتدين الثياب الطويلة وهن يتجولن ذهابا وإيابا، باحتشام وهن جياع. ففي كل ليلة، ترسو قوارب من الصومال على شواطئ اليمن، حيث يُنظر لليمن بأنه البلد الأحسن حالاً من بلدهم على رغم الجوع والحرب.
لكن الازدهار الذي شدهته هذه المدينة ما هو إلا ازدهار مؤقت. وبمجرد انتهاء الحرب، سيغادر المقاتلون، وستتوقف المطاعم المؤقتة وسيقوم تجار السلاح والقات بطوي أكواخهم ويعود الجميع إلى الخطوط الأمامية.
بعد ذلك، ستعود الرتابة إلى المدينة التي اسمها وحده يكفي لأن نفهم أنها مدينة فقدت منذ وقت طويل ثروتها ومجدها السابقين: فهي المخاء (موكا). وهي التي كانت تحتكر عالميا وعلى مدى قرون عملية تصدير القهوة، لأن شجرتها كانت تنمو فقط في المرتفعات اليمنية التي كان يتعذر الوصول إليها، ويتم جلبها من خلال الوديان الضيقة إلى المدينة الساحلية، التي أصبحت غنية نتيجة لذلك. كان هناك ممثلون للتجارة العالمية متمركزون هنا من هولندا وإيطاليا والبرتغال، وتتفاخر المدينة بالعشرات من المساجد والقصور متعددة الطوابق.
وتمت تسمية البن باسم هذه المدينة (موكا). ولكن على الرغم من أن هذا المسحوق الأرضي يسيطر على العالم إلا أن هذه المدينة الواقعة في اليمن غارقة في غياهب النسيان ولم تعد تملك سوى الماء والملح.
ماض مجيد و حاضر كئيب:
إن الوضع هادئ على نحو مُستغرب في المدينة التي تقع ما قبل الجبهة. يقضي منير، قائد شرطة “المخا” ، ورجاله، فترة ما بعد الظهر في المقر المتهالك يجلسون على الحصائر، ويمضغون القات وينفذون الأوامر العامة. يقول منير إنه ليس هناك الكثير للقيام به. “الوضع الأمني جيد”، حد قوله. وبالطبع فإن الجميع في المدينة مسلحون، ويقول أن هذا الوضع لا يختلف على الوضع في أوقات السلم. وأضاف أن الأهم من ذلك هو أن “كل شخص يحصل على أجر ويطلق النار في نفس الاتجاه”، على الحوثيين.
وتقدم الشرطة الجنائية الصاخبة عروضا أمامنا. كان سليمان شوكه محققاً في عدن عندما كانت الدولة لا تزال تعمل. يقول شوكة: “لكن عندما توقفت الرواتب انضممت إلى الحزام الأمني”، وهي أكبر ميليشيا في عدن. وقد أصيب في القتال، وعاد إلى الشرطة وانتقل إلى المخاء، حيث يتم دفع الرواتب على الأقل بين فترة وأخرى.
قال شوكه: “هناك أيضا سبب آخر دفعني إلى القدوم إلى هنا.” وأثناء قيادته السيارة في المنطقة التي تقع خلف المباني التجارية المُدمرة بالقرب من الميناء القديم، أخذ يشير إلى أنقاض قصر. وقال “هذا هو بيتي. هذا بيتي بالاسم فقط تماما كما أنني أفغاني بالاسم فقط. قال ذلك وبدأ في سرد قصة عائلته. والتي حالها كحال أغلب الأسر اليمنية، مزيج من الماضي المجيد والحاضر الكئيب.
“جدّي الأول جاء قبل بضعة أجيال من هرات الأفغانية إلى المخاء، قبل أكثر من 250 عاماً. وفي ذلك الوقت كانت المخاء مثل نيويورك، تجذب رجال الأعمال من أبعد المناطق في العالم. على الرغم من ذلك، انتقل جده إلى عدن التي لم يكن فيها شيء في ذلك الوقت.
مكان على الطاولة:
بشكل لم يكن متوقعاً، تلقينا الرد من المقاومة التهامية: لقد أسس الشيخ عبد الرحمن شوعي أحمد، قائد الجماعة، مقره على الحافة الجنوبية للحديدة وهو على استعداد لاستقبالنا. وقيل لنا بأنه سيكون برفقتنا. وتوجهنا مرة أخرى إلى سياراتي الشاص لنتجه هذه المرة جهة الشمال. جزء من الرحلة كان بمحاذاة الشاطئ، مع كون الطريق شديدة الخطورة. الضواحي المحيطة بمطار الحديدة خالية تماماً كما أن دوي الانفجارات يُسمع من على بعد مسافة.
قال الشيخ أحمد بصوت غير واضح وهو يجلس في بناية منخفضة غير محاطة بالحراسة بالقرب من الجبهة: “الحوثيون يشنون الهجمات بشكل يومي ونحن أيضا.”
ومن وجهة نظر القائد أنه سيكون من الخطأ الموافقة على وقف إطلاق النار. حيث قال”لا يمكننا أن ننتظر أكثر من ذلك. إن الحوثيين يريدون فقط اللعب لأجل تضييع الوقت؛ إنهم يبحثون عن الموانئ والمصانع والطرق الرئيسية. إن سكان الحديدة المحاصرين هم أقاربنا. ولدينا خلايا داخل المدينة. يمكنها الإضراب في أي وقت!”
لكن هناك شيء آخر أكثر أهمية بالنسبة له من تحرير المدينة. قال الشيخ شوعي: “عندما يذهب الحوثيون، نريد أن يكون لنا مكان على طاولة الحكومة المستقبلية! لقد اعتادت منطقة تهامة أن تكون مستقلة. نحن نعتبر أنفسنا تحت الاحتلال منذ العام 1921”!
يتحدث الشيخ أحمد عن عقود مملكة تهامة قصيرة العمر. حيث قال: “نحن نطالب بمستحقاتنا! يجب أن تكون هناك محادثات نزيهة معنا! وإلا ،” يحذر”، ستكون هناك محادثات أخرى!”. ولفت إلى أنهم قد اعتادوا أن يكونوا حركة سياسية سلمية “ولكن من الآن الأمر ليس كذلك.”
تماما مثل الشيخ، يريد قادة آخرون من الميليشيات الغنية بالدولار والأسلحة الاستفادة من قوتهم الجديدة. يريد الانفصاليون في اليمن الجنوبي القديم استعادة استقلالهم. ويريد المتطرفون من لواء العمالقة دعم الدولة، لكنهم يأملون أن تكون وفقاً لأفكارهم الإسلامية. وعلى هذا النحو، يبدو أن اليمن بلد مهدد بمزيد من التشرذم، حتى لو انسحب الحوثيون إلى منطقتهم التقليدية في شمال اليمن.
يقف رجل عجوز في وسط مركز المخا سابقاً، حيث لم تعد توجد حتى أسوار المدينة، ويتحدث عن الزوال. ويقول إن المدينة تعاني منذ فترة طويلة من انتهاء تجارة البن والهجمات من العشائر التي تعاني من الغيرة.
“ولكن جاء الطوفان وأخذ معه كل شيء”. وقال بصوت راسخ: “لقد أمطرت أياماً طويلة، كما لم تُمطر من قبل، إلى أن اندفعت كتل من الجبال عبر تهامة ودمرت المخا.
لم يعد يعرف، ولا أحد يعرف حقا ، متى أنهى الفيضان بالضبط مصير المدينة. منذ تسعين عاما؟ أم قبل مائة وثلاثين عاماً؟ هناك معلومة واحدة فقط يتذكرها الجميع: لقد كان ذلك يوم الثلاثاء. صباح الثلاثاء.
وقال الرجل العجوز: “حل وباء الطاعون فيها بعد الطوفان، وتفشى دون رادع بسبب الجرذان التي تغذت على الجثث التي لم يدفنها أحد. وبعد ذلك حدثت مجاعة، على الرغم من عدم وجود الكثير من الناس الذين بقوا على قيد الحياة على أية حال. فرّ الناجون إلى عدن أو عبر البحر إلى جيبوتي و الهند أو لندن.”
فهل كان ذلك عقابا من الله؟ الرجل العجوز يسترجع ذكريات فترة من الزمن. ويقول “هل هو عقاب؟ لا بل هو أسوأ، ونسي المخاء وتركها لقدرها المشؤوم.”
وهذا ما يمكن قوله اليوم للمدينة التي لم تُمس بعد.