السياسية :

لا يوجد عذر للتقاعس عن العمل

الملايين من اليمنيين مهددين بالجوع. بالعمل السياسي المستمر يمكن أن يتم إنهاء معاناتهم. وبإمكان ألمانيا أن تلعب دورا رئيسياً في هذا.. زار رئيس لجنة الإنقاذ الدولية، ديفيد ميليباند، اليمن مؤخرا. ووصف لنا ما الذي يتوجب على المجتمع الدولي فعله -وبالأخص ألمانيا- لإنهاء الحرب في اليمن.

بقلم: ديفيد ميليباند*هامبورج، (صحيفة “دي تسايت” الألمانية، ترجمة: نشوى الرازحي-سبأ)-

اثنتين من حالات الوفاة هي مالفت انتباه العالم إلى أسرة آل سعود: الحالة الأولى، قتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي. والحالة الثانية الموت البطيء الذي سببه الجوع لأمل حسين الطفلة البالغة من العمر أربع سنوات. فقد أظهرت صورة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز الطفلة الهزيلة على سرير مستشفى في شمال اليمن وكانت تلك الصورة صادمة للعالم. والخطر الأكبر هو أن الكثير من الناس يموتون بسبب غياب المساعي السياسية لمنع ذلك.

كنت في زيارة لليمن مؤخرا، بصفتي رئيساً للجنة الإنقاذ الدولية، التي أسسها ألبرت أينشتاين في سنوات الثلاثينات، وهي مؤسسة تقدم اليوم المساعدات الإنسانية. نحن نعمل في أكثر من 40 دولة دمرتها الصراعات والحروب. واليمن واحدة من تلك الدول. يعاني فيها ما يقرب من مليوني طفل من سوء التغذية الحاد. 400 ألف منهم على وشك الموت جوعاً. و 22 مليون شخصا من سكان اليمن بحاجة إلى المساعدات الإنسانية. لا يستطيع أكثر من نصف السكان في البلد من الحصول على المياه النظيفة، ما أدى إلى حدوث أسوأ حالة تفشٍ لوباء الكوليرا في التاريخ: حيث تضرر 1,2 مليون شخصا بالوباء.

تم تدمير أكثر من 50 بالمائة من البنية التحتية الصحية في البلاد ولم يحصل العاملون في المجال الصحي على أجورهم لأكثر من عامين. وأثناء إقامتي في اليمن، رأيت الناس يصطفون في طوابير طويلة عند محطات البنزين بسبب نقص الوقود. الريال اليمني لم يعد له قيمة تُذكر. واقتصاد اليمن في حالة انهيار مُطرد. وبالتالي لم يكن لتحذير الأمم المتحدة بأن 14 مليون شخصا في اليمن معرضون لخطر المجاعة وقع المفاجأة.

ولكن هذه الأزمة الإنسانية التي تعتبر الأسوأ على مستوى العالم هي في الواقع أزمة سياسية. إذ لم تنتج هذه المعاناة الإنسانية عن كارثة طبيعية، مثل الجفاف، بل هي أزمة من صنع الإنسان.

لقد أدى انقلاب الحركة الحوثية بالفعل إلى سنوات عديدة من الحرب التي شنت فيها قوات التحالف العسكري بقيادة المملكة العربية السعودية 18 ألف غارة جوية واشتعلت فيها معارك عنيفة بين كلا الجانبين، قادت اليمن إلى حافة الهاوية. حيث قتل أو جُرح في تلك المعارك 56 ألف  شخصا، 50 منهم في نفس اليوم الذي قُتل فيه جمال خاشقجي. وقد لعب الحوثيون دورا في تمثيل المجتمع اليمني. ومؤخرا، تلقوا دعماً متزايدا من إيران.

والحرب في اليمن ليست مجرد حرب أهلية  بل هي أحد مشاهد الانقسام الكبير للعالم العربي. يُقال أن  الهجمات الصاروخية من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون إلى المملكة العربية السعودية المجاورة تعتمد على إمدادات إيرانية.

على الرغم من الإنفاق الهائل على هذه الحرب ، لكن يبدو أن تكتيك السعودية غائب، فإيران أقوى من قبل أربع سنوات  ولكن التحالف العسكري بقيادة السعودية بات أكثر انقساما.

تم تدمير المستشفيات ومحطات معالجة المياه والمزارع والمصانع بالغارات الجوية. ولم يتمكن التحالف من طرد المقاتلين الحوثيين الذين يتحصنون في شمال اليمن. ووفرت الفوضى أرضية خصبة للمتطرفين من  تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وتنظيم الدولة الإسلامية ومكنتهم من استغلالها لكسب أتباع لهما.

في الوقت الحالي، يتركز الاهتمام الأكبر على الأزمة الإنسانية في مدينة الحديدة الواقعة على البحر الأحمر.

قبل هجمات المملكة العربية السعودية، كانت المدينة الساحلية موطناً لحوالي 600 ألف مدنيا، وممرا لـ 80 بالمائة من الإمدادات الإنسانية والتج بعدم شن هجوم المدينة. كما أنه منذ أن ناشدت الولايات المتحد الأميركية الأطراف المتحاربة أن تنهي القتال قبل أسبوعين احتدت وتيرة العمليات العسكرية في المدينة.

وفي الأسبوع الماضي ، شنت الميليشيات المدعومة من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة هجوماً برياً على الحديدة.

إن فكرة أن تكون مناشدات الولايات المتحدة مجرد أقوال وليست أفعال تثير القلق – إذ من شأنها أن تؤدي إلى عمليات عسكرية أخرى.

من الواضح أن الإستراتيجية العسكرية الحالية تزيد الأمور سوءاً ليس فقط من الناحية السياسية، ولكن أيضاً على المستوى الإنساني. ويكشف عن ما قد يبدو عليه الحل السياسي: يتعهد الحوثيون بوقف هجماتهم على المملكة العربية السعودية، مقابل سلطة لا مركزية للدولة على البلاد كجزء من النظام الدستوري الذي سيُعاد التفاوض بشأنه. بالإضافة إلى ذلك ، تبادل الأسرى وتوفير الرعاية الطبية للجرحى. وفوق كل ذلك: تسهيل وصول المعونات الإنسانية والأنشطة الاقتصادية للتخفيف من حالة الأزمة المُلحة. والموضوع الأكثر إلحاحا هي إعادة الاقتصاد إلى مساره.

لفتت ألمانيا علانية إلى عواقب الحرب وستتسلم قريباً مقعداً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وبالتالي، يمكن أن تلعب الجمهورية الاتحادية دورا هاما في تحويل الكلمات إلى عمل سياسي.

أولاً، يمكن لألمانيا أن تكون صوتاً قوياً في الغرب للدفع إلى تغيير الإستراتيجية. كان قرار مجلس الأمن الدولي لعام 2015 ميثاق حرب وليس خارطة طريق للسلام. توقفت ألمانيا حاليا عن تسليم الأسلحة للسعودية، لكنها تحتاج أيضا إلى ممارسة الضغط السياسي.

ثانياً، يمكن لألمانيا استخدام علاقاتها الدبلوماسية مع إيران،  تلك العلاقة التي نشأت في إطار الاتفاقية النووية لعام 2015، لتشجيع الحركة الحوثية على عقد محادثات سلام. لقد عينت الأمم المتحدة المفاوض الخبير مارتن غريفيث كمبعوث خاص لليمن. وفي سبتمبر، حاول جمع  كافة الأطراف على طاولة المفاوضات في جنيف لإجراء محادثات مشتركة. ولكن رفضت حركة الحوثي الذهاب إلى جنيف بسبب الخلافات حول سلامة أفراد الوفد المفاوض التابع لها.

ثالثًا ، يمكن لألمانيا العمل مع بريطانيا وحلفاء أوروبيين آخرين لصياغة قرار جديد لمجلس الأمن الدولي يمهد الطريق أمام السلام. هناك حاجة ملحة لقرار يوثق دعوة وزير الخارجية الأمريكي بومبيو لوقف إطلاق النار.

رابعا وأخيرا: من خلال الانضمام إلى مجلس الأمن الدولي، يمكن لألمانيا أن تتخذ خطوات لتحسين وصول المساعدات الإنسانية إلى اليمن. يجب أن تعمل جميع الموانئ البحرية في اليمن بشكل كامل ، ويجب فتح مطار صنعاء أمام حركة المرور الإنسانية والتجارية. بالإضافة إلى ذلك ، يجب تحسين وصول الشركاء في المجال الإنساني إلى البضائع وحركة التسليم داخل اليمن. هناك حاجة ماسة إلى دفع مرتبات 1,2 مليون موظف مدني في جميع أنحاء البلاد ، بما في ذلك الأطباء والممرضات، لتقديم المساعدة المنقذة للحياة إلى ملايين المحتاجين.

تدعم مراكز لجنة الإنقاذ الدولية والوكالات الإنسانية الأخرى المستشفيات، وتدفع رواتب الأطباء والممرضين  وتدير عيادات متنقلة حيث لا توجد مرافق أخرى للرعاية الصحية. كما أننا  نُدير برامج التغذية للأطفال المصابين بسوء التغذية  ونعالج مرضى الكوليرا ونقدم الأدوية للمستشفيات. لكن هذا لا يكفي. المساعدات الإنسانية يمكنها أن توقف الموت ولكن لا يمكنها أن توقف القتل.

بالنسبة للكثيرين ممن شهدوا المجاعة في إثيوبيا، لم يكونوا يتصورون أن يشهدوا معاناة بهذا القدر من الجحيم في القرن الحادي والعشرين.

يجب علينا أن نخجل من كون المجتمع الدولي يقف متفرجا وهذه الأزمة مستمرة في التدهور.

الآن ، وأكثر من أي وقت مضى ، هناك حاجة إلى جهود دبلوماسية عالمية مشتركة. إذا كانت وفاة جمال خاشقجي هي ما ساعد في مسألة اتخاذ إجراءات لتخفيف معاناة الملايين من الناس، فهناك أيضا ضرورة للقيام بعمل سياسي ذو أثر واضح. فلم يعد هناك عذر يدعو للتقاعس عن العمل.

*ديفيد ميليباند: كان وزير خارجية بريطانيا في الفترة من العام 2007 إلى العام 2010. ومنذ العام 2013 يشغل منصب رئيس لجنة الإنقاذ الدولية ومقرها في نيويورك، وهي مؤسسة تقدم المساعدة للاجئين وضحايا الحرب، لا سيما في مناطق الأزمات. بادر ألبرت أينشتاين لإنشاء هذه المؤسسة ودعمها في العام 1933 لدعم اللاجئين في المقام الأول بداية الأمر الفارين من النظام النازي. واليوم، تنشط المؤسسة في أكثر من 40 دولة في العالم.