اليمن على بعد خطوات من نهاية الحرب
بقلم: هلا كودماني
( صحيفة ” Libération” الفرنسية, ترجمة: أسماء بجاش-سبأ)
بعد مرور ثلاث سنوات ونصف على بدء الصراع المحتدم في اليمن والذي القى بظلاله على السكان المدنيين في اليمن, نشطت الدبلوماسية الدولية أخيراً للضغط على الرياض, والعمل على عقد محادثات للسلام في اقرب وقت.
الضعف والوهن الذي بدأ على وجه الطفلة أمل ذات 7 سنوات والهزل الذي أصاب جسدها الصغير, كان محور الحديث في الصفحة الأولى لصحيفة New York Times” ” في عددها الصادر في 26 من أكتوبر المنصرم، إذ نشرت الصحيفة الأمريكية اليومية مقالها تحت عنوان “مأساة حرب المملكة العربية السعودية”, فتلك الصورة كانت بمثابة صدمة كهربائية, حيث أعطت صورة الفتاة اليمنية التي استسلمت للموت جراء أصابتها بمرض سوء التغذية بعد أسبوع فقط من نشر صورتها، رؤية غير مسبوقة عما يحدث في هذا الجزء من العالم,
تمكنت هذه الحرب التي تشنها قوات التحالف العربي المنضوية تحت راية المملكة العربية السعودية منذ أواخر مارس من العام 2015 من حصد أرواح أكثر من 2000 طفل, حيث لقي هؤلاء الأطفال مصرعهم إما جراء المرض أو الجوع أو القصف.
ولكن عملية اغتيال الصحفي السعودي “جمال خاشقجي” الذي قُتل في 2 أكتوبر في مبنى القنصلية السعودية في مدينة اسطنبول، عملت على رفع الستار المسدول عن الحرب التي يصطلي بنيرانها هذا البلد.
لطالما اختارت القوى الغربية لفترة طويلة غض طرفها وصم إذنيها أمام صيحات الإنذار والدعوات التي أطلقتها منظمات العمل الإنساني، في المقابل عملت على مواصلة تقديم الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والدبلوماسية خلال أكثر من ثلاث سنوات لقوات التحالف العربي، والآن شهد الوضع اختلاف جذرياً, حيث عملت على ممارسة الضغط خلال الأيام الأخيرة لوقف هذه “الحرب القذرة” كما يسميها وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان.
أدت هذه الفضيحة الدولية التي أثارتها قضية اغتيال خاشقجي إلى إحياء الاهتمام المفاجئ بصراع منسي ومميت.
وقد يمهد كل من الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” ونظيره الأمريكي “دونالد ترامب” بعد اللقاء الذي جمعهما في العاصمة الفرنسية باريس في 11 نوفمبر الجاري لفتح طريق لإرساء الحل السياسي للحرب في اليمن.
في حين حامت الشكوك والشبهات التي تتعلق بقضية اغتيال “خاشقجي” حول الأمير “محمد بن سلمان” حيث لفتت الانتباه إلى المؤسسات الوحشية الأخرى التي يقودها الرجل القوي في المملكة السعودية, كان ابرزها الهجوم العسكري الذي أطلقه أواخر مارس من العام 2015 لدعم الحكومة الشرعية في اليمن، والذي يواجه تمرداً مسلحاً يتلقى الدعم من قبل إيران.
توقع الأمير السعودي الشاب الذي يشغل أيضا منصب وزير الدفاع أن هذا التدخل سيعمل على إقرار سلطته كقائد حرب ليس في المملكة فحسب بل في المنطقة برمتها، ولكن تحول هذا الصراع إلى مستنقع حرباً حقيقية، عمل الأمير محمد بن سلمان -على النقيض من ذلك- حيث عمد إلى تجريم الحديث عن تلك الحرب إلى درجة أنه أصبح من المحرمات داخل المملكة.
عملت الإدارة الأمريكية منذ فترة طويلة ممثلة بالرئيس “دونالد ترامب” على تقديم الدعم الكامل للأمير “محمد بن سلمان”, بيد أن هذا الأمر اختلف في الآونة الأخيرة بشكل واضح جراء الضغوطات التي يمارسها الكونجرس، خاصة فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية للرياض.
اتفق السعودية والولايات المتحدة الأمريكية على وقف إعادة تزويد واشنطن طائرات التحالف العربي الذي تقوده الرياض في اليمن بالوقود كخطوة أولى تنهي جانبا مثيرا من الجدل.
عملية إجلاء:
استفادة العديد من القادة الغربيين من مرحلة عدم الاتزان والفوضى التي تعاني منها السعودية جراء عملية اغتيال الصحفي “جمال خاشقجي” حيث عملوا على تواجهه إلى الرياض للتحقيق في جريمة القتل تلك وبحث حيثيات الحرب على اليمن.
وبدوره، رأى وزير الخارجية الأميركية “مايك بومبيو”، ونظيره البريطاني “جيريمي هانت”، أن وقت التفاوض قد حان.
وفي اتصال هاتفي حث وزير الخارجية الأمريكي, الأمير محمد بن سلمان بشكل صريح على ضرورة إنهاء الأعمال العدائية، مطالباً بأن “يأتي جميع الأطراف إلى طاولة المفاوضات للتفاوض على حل سلمي للصراع.
ومن جانبه, دعا وزير الخارجية البريطاني خلال اللقاء الذي جمعه بالملك “سلمان بن عبد العزيز” ونظيره الدبلوماسي “عادل الجبير” في العاصمة الرياض, السعوديون إلى عدم المجازفة بكارثة إنسانية جديدة من خلال السعي لتحقيق نصر عسكري خاصة في المعركة الحديدة, حيث سينظر إلى هذه الخطوة بأنها “إرادة حقيقية” من قبل المملكة السعودية للبدء بمحادثات السلام.
كما زار وزير الخارجية البريطاني أبو ظبي للقاء محمد بن زايد ولي عهد دولة الإمارات العربية المتحدة والقائد الآخر في التحالف العربي للحرب على اليمن.
ومن بين “إجراءات بناء الثقة” التي اقترحتها بريطانيا، تم إقرار أتفاق بين المتمردين الحوثيين وقوات التحالف العربي لإجلاء خمسين من مقاتليهم الجرحى إلى سلطنة عمان المجاورة لتلقي العلاج.
وبالرغم من رفض المملكة العربية السعودية طلب مماثلاً في سبتمبر الماضي والذي يقضى إلى اجتماع الفرقاء اليمنيين في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة. إلا أنهم وافقوا في نهاية المطاف على الاجتماع الذي نظمه المبعوث الأممي الخاص “مارتن غريفيث” إلى اليمن، وانتظر الحوثيون وفد الحكومة الشرعية عبثا لمدة يومين حيث عادوا أدراجهم خالي الوفاض.
لقاء:
يرى الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريس”: “إن الحل في اليمن يكمن في الجلوس على طاولة المفاوضات, حيث تم تقديمه إلى الدول المشاركة في الصراع وكان رد الفعل الأول إيجابياً بشكل نسبي على حد تعبير “غوتيريس”، الذي يؤمن بـأن الحل السلمي هو أساس حل الأزمة اليمنية.
وبالتالي ستوافق روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ودول المنطقة على ضرورة وقف الحرب في اليمن.
في الواقع، يبدو أن احتمالات الخروج من مستنقع الصراع في اليمن أصبح أكثر وضوحاً, وذلك في حال انعقاد الاجتماع المقرر في نهاية العام في السويد بين الأطراف المتناحرة.
كما يجب أن تمتد المفاوضات الجديدة لتشمل أطراف يمنية أخرى، وبالأخص الانفصاليين الجنوبيين المدعومين من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة والذين يلعبون دوراً مهماً في منافسة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف به من قبل المجتمع الدولي.
ومع ذلك، فإن الضغط الذي يمارسه المجتمع الغربي على دول التحالف العربي المنضوية تحت راية الرياض قد يدفع بالحوثيين إلى تشديد موقفهم, حيث أنهم متلهفون جداً لرؤية الأمير محمد بن سلمان غارقاً في حربه.
ينتمي المتمردون الحوثيون إلى أحد فرع المذهب الشيعي بالإضافة إلى كونهم محاربين متمرسين فقد تمكنوا من فرض وجودهم على الساحة اليمنية.
وفي خضم جميع هذه الاجتماعات حول اليمن، اغتنم المسؤولون الغربيون الفرصة لدعوة المملكة العربية السعودية إلى أن تكون أكثر تعاوناً في التحقيق في قضية اغتيال “خاشقجي”.
ومن المفارقات، أن الاغتيال المروع للصحفي السعودي يمكن أن يؤدي إلى إنهاء تلك الحرب الفظيعة التي لا تزال منهمكة في حصد أرواح الآلاف من الضحايا الأبرياء.